|
|||||||
|
حوار: الصحفية دلال ندا
حوار خاص مع الأستاذ الدكتور أحمد نمر أحمد حمام، رئيس اتحاد جامعات السلام – الولايات المتحدة الأمريكية في عالم تتسارع فيه خطوات التحول الرقمي، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة، بل أصبح أحد أهم محركات التغيير في الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والتنمية المستدامة. وبينما تواجه الدول العربية والأفريقية والآسيوية تحديات متشابكة تتعلق بالأمن الغذائي والمياه والصحة وفرص العمل، تبرز الحاجة إلى توظيف هذه التكنولوجيا بما يخدم الإنسان ويحافظ على القيم والأخلاقيات. وفي هذا الحوار الخاص، يتحدث الأستاذ الدكتور أحمد نمر أحمد حمام، رئيس اتحاد جامعات السلام بالولايات المتحدة الأمريكية، عن مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في التنمية، ومستقبل الجامعات والتعليم، وكيف يمكن للدول النامية الانتقال من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها، مؤكدًا أهمية بناء تعاون علمي عابر للحدود، وصولًا إلى نموذج «جامعة بلا حدود». 1- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تعزيز التنمية وبناء مستقبل أكثر استدامة للدول العربية والأفريقية والآسيوية؟
بسم الله الرحمن الرحيم. الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل هو محرك جديد للتنمية الشاملة، وإذا نظرنا إلى الكوادر التي تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في الولايات المتحدة وأوروبا، سنجد حضورًا كبيرًا لكفاءات من الهند والصين وغيرها من دول آسيا، إلى جانب الكفاءات العربية، وهو ما يؤكد أن منطقتنا تمتلك طاقات بشرية قادرة على المشاركة بقوة في هذا المجال. وفي العالم العربي وآسيا وأفريقيا، توجد تحديات مشتركة، من أبرزها الأمن الغذائي، وندرة المياه، وضعف البنية الصحية، وبطالة الشباب، وهنا يأتي الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي، ففي الزراعة، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالجفاف وتحسين إنتاجية المحاصيل، وفي القطاع الصحي يمكن أن يسهم في تشخيص الأمراض، خصوصًا في المناطق النائية التي تعاني من نقص الأطباء والمتخصصين. أما في التعليم، فيمكنه توفير تعليم شخصي لملايين الطلاب بلغاتهم المحلية والعالمية. ونحن في اتحاد جامعات السلام نرى الذكاء الاصطناعي أداة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة على المدى الطويل، ولكن بشرط أساسي، وهو أن نوظفه لخدمة الإنسان، فالتنمية المستدامة الحقيقية هي التي تضع القيم الإنسانية والأخلاقية في قلب التكنولوجيا. ٢-في ظل التفاوت الرقمي بين دول العالم، كيف يمكن ضمان استفادة الدول النامية من الثورة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
هذا هو السؤال الجوهري، لأن هناك بالفعل فجوة رقمية كبيرة بين دول العالم. وقد بدأ العالم في الاستعداد لهذه المرحلة من خلال انتشار الحكومات الإلكترونية والتحول الرقمي، وإذا تحركنا بصورة واسعة ومدروسة، يمكن أن تتحول هذه التقنيات إلى مجالات حضارية واسعة المدى على مستوى العالم، من خلال كبسة زر أمام شاشة صغيرة يحملها الإنسان في كف يده. وقد توافقت الجامعات المنضوية تحت مظلة اتحاد جامعات السلام على ثلاثة محاور أساسية: أولًا: السيادة الرقمية، بما يضمن قدرة الدول على امتلاك وإدارة بياناتها وتقنياتها. ثانيًا: التعليم الرقمي والإلكتروني، باعتباره أحد أهم أدوات تقليص الفجوة بين الدول والمجتمعات. ثالثًا: الاتفاقيات الأكاديمية بين الجامعات، لتعزيز رقمنة المناهج ورفع مستوياتها بما يتلاءم مع متطلبات سوق العمل الجديد.
٣- ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الجامعات في بناء جسور التعاون العلمي والمعرفي بين الشعوب في عصر الذكاء الاصطناعي؟
الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد أسوار ومبانٍ وأصول عقارية وآلات ومعدات وسيارات ضمن ميزانيات ضخمة. نحن بحاجة إلى إعادة توجيه الاهتمام من المباني إلى المعاني، ومن تجميد الموارد في الأصول إلى الاستثمار الحقيقي في التعليم والبحث العلمي. فالوظيفة الأساسية للجامعة هي التعليم والبحث العلمي وبناء المعرفة، ومن هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في حشد الموارد لخدمة هذه الوظائف الأساسية. الدور التقليدي للجامعة كان يتمثل في نقل وتلقين المعرفة، أما اليوم فقد أصبح دورها إنتاج المعرفة المشتركة، من خلال التعاون بين الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الصناعية والتعليمية في مختلف أنحاء العالم. وأتصور أن المستقبل سيقودنا إلى مفهوم «جامعة بلا حدود»، تعمل في جميع بقاع الأرض دون قيود جغرافية، من خلال الجامعات الرقمية والإلكترونية والمنصات التعليمية. وهنا ستتراجع بعض الحواجز التقليدية المرتبطة بالشهادات الورقية والاعتماد التقليدي، لصالح التركيز على جودة التعليم والبحث العلمي والمهارات. فإذا كان الطالب يستطيع أن يدرس عبر منصة علمية رصينة مع طلاب من مختلف دول العالم، ويتلقى العلم على أيدي أساتذة من جامعات متعددة، فإننا أمام نموذج تعليمي جديد يتجاوز الحدود المحلية ويحتاج إلى معايير واعتمادات دولية جديدة. إننا نريد أن ننتقل من فصل دراسي في قرية إلى فصل دراسي عالمي، ومن البحوث المحلية إلى البحوث العالمية، وفي هذا الإطار، تتوافق كوادر وأعضاء جامعات السلام على ثلاثة محاور رئيسية: محور البحث العلمي والأكاديمي. محور المناهج، من خلال توحيد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ووضع ميثاق أخلاقي يستند إلى قيمنا الدينية والحضارية والإنسانية. محور الطلاب، من خلال برامج التبادل الطلابي الرقمي. فلماذا يسافر الطالب ويدفع آلاف الدولارات إذا كان بإمكانه دراسة مقرر في جامعة إندونيسية أو غيرها وهو في قريته في صعيد مصر عبر المنصات الذكية.
٤- هل ترون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة لتعزيز الابتكار وريادة الأعمال وخلق فرص جديدة للشباب؟
بالتأكيد، بل أراه الأمل الأكبر لشبابنا. شبابنا يواجهون تحديًا كبيرًا، فهناك نسبة مرتفعة من السكان في قارتي آسيا وأفريقيا من فئة الشباب، بينما لا تستطيع الوظائف التقليدية استيعاب هذه الأعداد. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقلب هذه المعادلة، فاليوم يمكن لشاب يمتلك جهاز حاسوب وفكرة مبتكرة أن يؤسس شركة تقدم خدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي للعالم كله، مستفيدًا من الانفتاح التجاري والرقمي الذي أتاح له أن يعرض منتجه ليس في قريته فقط، وإنما أمام السوق العالمية. وتراجعت أيضًا تكلفة تأسيس العديد من المشروعات التقنية بصورة كبيرة، بعدما كانت تحتاج إلى ملايين الدولارات، وأصبح بالإمكان إطلاق مشروعات مبتكرة بتكاليف أقل بكثير. وفي الجامعة الواحدة يمكن إنشاء حاضنة متخصصة في «ريادة أعمال الذكاء الاصطناعي»، تستطيع خلال عام واحد احتضان عشرات الشركات الناشئة، ومنها شركات تستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف عن الأمراض الجلدية عبر الهاتف المحمول، وأخرى تطور حلولًا للترجمة الفورية للهجات العربية النادرة. الذكاء الاصطناعي لا يلغي العمل بصورة مطلقة، لكنه يعيد تشكيل سوق الوظائف؛ فيتراجع الطلب على الوظائف الروتينية، بينما تظهر وظائف إبداعية وتقنية جديدة ذات امتداد عالمي، ومهمتنا أن نهيئ شبابنا لهذه الوظائف الجديدة.
٥-كيف يمكن دعم البحث العلمي المشترك بين الجامعات لمواجهة التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي؟
البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي أصبح ثورة وثروة أكاديمية هائلة. ونحن نقترح إنشاء «صندوق للبحث في الذكاء الاصطناعي»، تموله الدول والجامعات والقطاع الخاص، على أن يركز على التحديات التي تواجه مجتمعاتنا، مثل مكافحة التصحر باستخدام الذكاء الاصطناعي، وحفظ المخطوطات العربية والإسلامية ورقمنتها، وتطوير نماذج لغوية تفهم اللغة العربية بفصاحتها ولهجاتها المختلفة. كما نحتاج إلى: أولًا: منصة بيانات مشتركة، تضم قاعدة بيانات ضخمة ومتاحة للباحثين في جامعاتنا. ثانيًا: مجلة علمية محكمة مشتركة، متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. ثالثًا: مؤتمر علمي سنوي، يجمع الباحثين والقطاع الصناعي وصناع القرار، بحيث لا يكون مجرد مؤتمر أكاديمي تقليدي، وإنما مساحة حقيقية لإنتاج الحلول وبناء الشراكات. وبدون البحث العلمي المشترك، سنظل في كثير من الأحيان مستهلكين للتكنولوجيا، ولن نتحول إلى منتجين لها.
٦- ما رؤيتكم لمستقبل التعليم الجامعي في ظل دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في مختلف مجالات المعرفة؟
نقول وبالله التوفيق والهداية. أقول لزملائي أعضاء اتحاد جامعات السلام: الجامعة التي لا تتغير اليوم، ستغلق غدًا. مستقبل التعليم الجامعي لن يكون قائمًا على نموذج «أستاذ يلقي وطالب يحفظ»؛ فهذا النموذج يتراجع بصورة كبيرة. المستقبل يتجه نحو: التعليم الشخصي: بحيث يكون لكل طالب مسار تعليمي خاص يتناسب مع قدراته وسرعته واحتياجاته، وهنا تصبح المناهج وطرق التدريس المتخصصة قلب المستقبل. المعلم المرشد: سيتحول دور الأستاذ من مجرد ملقن إلى موجه وملهم ومربٍ على الأخلاق. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم المعلومة، لكن الأستاذ يمنح الطالب الحكمة والخبرة والقيم. الجامعة بلا أسوار: حيث يمكن أن تتراجع فكرة الشهادة الجامعية التقليدية الممتدة لأربع سنوات لمصلحة مسارات تعليمية أكثر مرونة، تتضمن مهارات وشهادات مصغرة Micro-Credentials يحصل عليها الطالب طوال حياته المهنية. ورؤيتنا في الجامعة هي أن نكون «جامعة هجينة» تجمع بين الأصالة والرصانة من جهة، وحداثة الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. نريد أن نخرج خريجًا يجمع بين تراثه وهويته وقدرته على التعامل مع الخوارزميات والتكنولوجيا الحديثة، يعتز بجذوره وينافس عالميًا في الوقت نفسه. رسالة أخيرة: واختتم الأستاذ الدكتور أحمد نمر أحمد حمام حديثه برسالة تحمل رؤية واضحة للتعامل مع التحول التكنولوجي، قائلًا: «الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين، ونحن في الدول النامية يجب أن نمسك به من المقبض الذي يخدمنا، لا من النصل الذي يجرحنا». وتبقى المعركة الحقيقية، كما يؤكد رئيس اتحاد جامعات السلام، ليست في امتلاك التكنولوجيا فحسب، وإنما في امتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها أخلاقيًا وإنسانيًا لخدمة الإنسان وصناعة مستقبل أكثر عدلًا واستدامة. |
|||||||