السبت 2025-06-28
الآيات 58 - 60 سورة الحج، اللقاء (19)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي!
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (58) لَيُدخِلَنَّهُم مُّدخَلٗا يَرۡضَونَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ (59) ذَٰلِكَۖ وَمَن عَاقَبَ بِمِثلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ (60)
قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمنُ مَنْ أمِنَهُ الناسُ على أموالِهِمْ وأنفسهِمْ، والمهاجِرُ مَنْ هَجَرَ الخطايا والذنوبَ)، وفي الآية الثناء الجميل من الله والوعد الحسن، لعباده المهاجرين، الذين يهجرون ما نهى الله ورسوله عنه، الذين يهجرون المجتمعات الفاسدة إلى الصالحة، والصحبة السيئة إلى الصحبة الحسنة، والذين يهجرون الزور ولا يشهدونه، أي أقوال وأماكن الفحشاء والمنكر، والذين يهاجرون من أرض الكفر إلى أرض الإيمان حرصاً على إيمانهم، وخوفاً من أن يفتنوا في دينهم، ووعدهم بأنهم إن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا بدون قتال، (لَيَرزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ)، يرزق الله من قتل شهيداً أو من مات موتاً طبيعيا ممن هاجروا في سبيله ولا يقتضي ذلك المساواة بينهم، لأن تفضيل الشهداء ثابت، كذلك وعدهم سبحانه أنه سيدخلهم مُدخلاً يرضونه، (لَيُدخِلَنَّهُم مُّدخَلٗا يَرۡضَونَهُ)، فما هو الرزق الحسن؟ وما هو المدخل الذي يرضونه؟ يحتمل أنه أُريد به الرزق في الجنة بعد يوم القيامة، أو رزق الشهداء في البرزخ، والمُدخل: الجنة، وهو من فضل الله ورحمته، التي لا تحصى ولا تُحد، ويكفي أنها من وعد الله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخلِفُ المِيعَادَ)، وهو سبحانه عليم بما في قلوب عباده من الإيمان والتقوى والإخلاص، حليم على من عصاه، (وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ)، يعلم سرهم ونجواهم ويعلم ما يصلحهم، حليم: لا يعاجلهم بالعقوبة، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب، وسيجزي كل نفس بما كسبت، ولا يُظلمون فتيلا، (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجاهِدُ مَنْ جاهَدَ نفسَهُ في طاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطايا والذَّنُوبَ)، ثم بشر سبحانه عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من ظلمهم، (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) أي: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، فسمى جزاء العقوبة عقوبة مثلها، لاستواء الفعلين فى الصورة، وهي كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا)، فأباح الله لهم بأن ينتصروا لأنفسهم ممن ظلمهم ويعاقبوه بمثل ما عوقبوا به، (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ)، أي أن الظالم المبتدئ بالظلم إذا عاد مرة أخرى فبغى على المظلوم وآذاه، فإنه تعالى وعد المظلوم بالنصر على من ظلمه، (لَيَنصُرَنَّهُ الله) وعد مؤكد منه سبحانه بنصرة المظلوم، والجملة جواب قسم محذوف: تقديره والله -لينصرن- سبحانه المظلوم على الظالم فى الحال أو المآل، وهذا من شرع الله عندما يكون في الدفاع عن شعائر الدين، وحياض الإسلام، وأما آيات الترغيب في العفو فليس هذا مقام تنزيلها، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، هذه من شرعه سبحانه وتعالى في معاملات الأمة بعضها مع بعض، أما ما جاء في الآيات فإن فيه الترغيب في القصاص من الظالمين الذين يعتدون على حرمات الدين والمسلمين، وقد أكد لهم سبحانه نصره إن هم امتثلوا لما أُذن لهم به، وعاقبوا بمثل ما عُوقبوا به، (إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ )، لكثير العفو عن عباده، وكثير المغفرة لذنوبهم وخطاياهم، وعن المظلوم إذا ترك العفو عمن ظلمه، ولا يؤاخذه سبحانه على ذلك، ما دام لم يتجاوز فى رد العدوان عن الحدود المشروعة، وهي الانتصار على الظالم بالمثل، دون التعدي بالزياد!
أضف تعليقك...