السبت 2025-07-05
الآية - 77 - سورة الحج، اللقاء (24)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي!
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱركَعُواْ وَٱسجُدُواْۤ وَٱعبُدُواْ رَبَّكُم وَٱفعَلُواْ ٱلخَيرَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ۩ (77)
يمتاز أسلوب هذه السورة -في مجموعه- بالقوة والعنف، والشدة والرهبة، والإنذار والتحذير، وغرس التقوى في القلوب بأسلوب تخشع له النفوس، وبجانب هذه الشدة في الأسلوب، نرى في السورة -أيضا- أسلوبا آخر فيه من اللين والرقة والبشارة للمؤمنين فيها، وقد افتتحت افتتاحا ترتجف له النفوس، حيث تحدثت عن أهوال يوم القيامة، وعن أحوال الناس فيه، ثم ساقت لنا الآيات نماذج متنوعة لأحوال الناس في هذه الحياة، وأقامت الأدلة على أن البعث حق، ثم أتبعت ذلك ببشارة المؤمنين بما يشرح صدورهم، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ، إِنَّ اللَّهَ يَفعَلُ ما يُرِيدُ)، ثم بينت أن كل شيء في هذا الكون يسجد لله تعالى وأن كثيرا من الناس ينالهم الثواب بسبب إيمانهم وعملهم الصالح، وكثيرا منهم يصيبهم العقاب بسبب كفرهم وفسوقهم، بعد ذلك عقدت مقارنة بين خصمين اختصموا في ربهم، مؤمن وكافر، وبينت عاقبة كل منهما، وأتبعت ذلك بحديث مفصل عن فريضة الحج، فذكرت سوء عاقبة الكافرين الذين يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، كما بينت أن الله تعالى قد أمر نبيه إبراهيم بأن يؤذن في الناس بالحج، لكي يشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، كما بشرت الذين يعظمون حرمات الله بالخير وحسن الثواب، ووصفت من يشرك بالله (وَمَن يُشرِك بِٱللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخطَفُهُ الطَّيرُ أَو تَهوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ)، ثم ختمت الحديث عن فريضة الحج ببيان أن الهدي الذي يقدمه الحجاج هو من شعائر الله، فعليهم أن يقدموه بإخلاص وسخاء، وأن يشكروا الله على نعمه، ثم بينت أن الله تعالى قد شرع لعباده المؤمنين الجهاد في سبيله، وبشرهم بأنه معهم يدافع عنهم، ويجعل العاقبة لهم، ثم أخذت بذكر أحوال الأمم السابقة الذين كذبوا رسلهم، وكيف كانت عاقبة تكذيبهم، وأمر سبحانه رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأن يمضوا في أمر الدعوة وأن يصدعوا بكلمة الحق، وتوحيد الله عز وجل والقيام بالأعمال الصالحة، ووعدهم بالمغفرة والرزق الكريم، ووصف الذين يسعون في آيات الله معاجزين: أي يعجزون الناس ويصدونهم عن الإيمان، بأنهم أصحاب الجحيم، ثم بعد أن بين سبحانه مظاهر حكمته في هداية من اهتدى، وفي ضلال من ضل، أتبع ذلك بحديث مستفيض عن ألوان نعمه على خلقه، فقال تعالى: (أَلَم تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصبِحُ الأَرضُ مُخضَرَّةً، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) الآية، ثم ختم سبحانه السورة الكريمة، بنداءين: أحدهما: وجهه إلى المشركين، وبين لهم فيه، أن الذين يعبدونهم من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، والثاني: بخطاب المؤمنين، والتنويه بما يُصلح أعمالهم، وأمرهم بمداومة الركوع والسجود، تقرباً وتعبداً له -عز وجل- (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ)، بمعنى أكثروا من الركوع والسجود، قال عليه الصلاة والسلام: (عليكَ بالسُّجودِ، فإنَّكَ لا تسجدُ للهِ سجدةً، إلّا رفعكَ اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنكَ بها خطيئةً)، كما أمرهم بالتواصي على فعل الخير، وعلى الجهاد في سبيله، وفي هذا الترتيب إيماء إلى أن الاشتغال بإصلاح الاعتقاد مقدم على الاشتغال بإصلاح الأعمال، والمراد بالركوع والسجود الصلوات، وتخصيصهما بالذكر من بين أعمال الصلاة لأنهما أعظم أركان الصلاة، إذ بهما إظهار الخضوع والعبودية، وتخصيص الصلاة بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات المشمولة لقوله: (واعبدوا ربكم)، للتنبيه على أنّ الصلاة عماد الدين، والمراد بالعبادة: ما أمر الله تعالى النّاس أن يتعبدوا به، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من السنن والنوافل بما أمر الله به وشرع، وبما جاء في السنة النبوية الشريفة، من الطاعات والعبادات الاعتقادية والقولية والعملية، (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)، والخير كل فعل حسن، ومنه الواجب، ومنه المندوب ومنه السنة، واللفظ عام، كإسداء الخير إلى الناس، وحسن المعاملة، كصلة الرّحِم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، وسائر مكارم الأخلاق، وهذا مجمل بينته وبينت مراتبه أدلة أخرى، (لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ)، وهنا يأتي موضع السجدة الثانية، ۩ حيث انفردت هذه السورة عن باقي سور القرآن بسجدتين، والمفلحون: هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا، وبتعريف آخر: الفلاح هو الفوز في كل الأمور في الدنيا والآخرة، وأما النجاح فهو الفوز في أمر ما معين فقط، جعلنا الله وإياكم من عباده المفلحين!
أضف تعليقك...