• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الخميس 2026-01-01

الآيات (101 - 105) من سورة النحل، اللقاء، (35)

تأمّلات في مغزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 264
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات (101 - 105) من سورة النحل، اللقاء، (35)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍۢ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 101 قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ 102 وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ 103 إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ 104إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ 105}

هذه الآيات تتناول الرد على التهم التي وجهها المشركون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم - وللقرآن الكريم - كما تتناول حقيقة نزول القرآن ومصدره الإلهي. وإليك الشرح لكل آية على حدة:

(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍۢ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ):
التبديل هنا النسخ، فقد كان الكفار إذا نسخت آية، يقولون: هذا افتراء ولو كان من عند الله - لم يبدل، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) جملة اعتراض بين الشرط وجوابه. وفي هذه الآية، يرد الله على المشركين الذين كانوا يعترضون عندما يبدل الله بعض الأحكام أو ينزل آيات جديدة. إذ كانوا يقولون إن هذا دليل على أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم مفترٍ، أي يختلق القرآن من عنده، ولكن الله سبحانه وتعالى يؤكد أن ما ينزله ويثبته أو ينسخه من آيات هو بعلمه وحكمته، وهو سبحانه أعلم بما يصلح للعباد ابتداءً عند أول الدعوة، ثم ما يصلح لهم بعد ذلك. وأن هؤلاء المعترضين ليس لديهم علم متقن لفهم حكمة الله في تغيير الأحكام والتشريعات بناءً على احتياجات الناس ومراحل الدعوة.

(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ):
يعني جبريل، ﴿بِٱلْحَقِّ﴾ أي: مع الحق في أوامره ونواهيه وأخباره، ويحتمل أن يكون قوله بالحق أي حقًا، بمعنى أنه محكم وثابت النزول. وفيها أمر من الله للنبي أن يرد على المشركين بأن القرآن نزل من عند الله عن طريق "روح القدس" وهو جبريل عليه السلام، نزول حق، ليُثبت إيمان المؤمنين، وليكون هداية لهم ودليلاً على الطريق المستقيم، كما أنه بشارة للمسلمين بما ينتظرهم من النصر والسعادة في الدنيا، والنعيم في الآخرة، والفوز بالجنة.

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ):
اللسان هنا بمعنى اللغة والكلام، ويلحدون من ألحد إذا مال، وقرئ بفتح الياء من لحد، وهما بمعنى واحد. والمشركون كانوا يزعمون أن هناك شخصًا من غير العرب يُعلم النبي القرآن، لأن الأعاجم في نظرهم أصحاب حضارة ورقيّ. والله سبحانه يرد على هذا الادعاء بالقول إن الشخص الذي يُشيرون إليه أعجمي، يتحدث لغة غير عربية، بينما هذا القرآن يتحدث بلغة عربية واضحة، وهذا يثبت زيف ادعاءاتهم وكذبهم، لأن لغة القرآن - العربية الفصحى - تفوق في بلاغتها وتعقيدها أي تعليم أو مصدر بشري، ناهيك عن أن يُنسب إلى شخص أعجمي.

(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ):
الله سبحانه وتعالى يحذر الذين لا يؤمنون بآياته، بأنه لا يهديهم، وأنهم محرومون من الهداية الإلهية لأنهم كفروا وتولوا، فأعرض الله عنهم، "ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ۚ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ"، وعاقبتهم ستكون وخيمة في الدنيا وفي الآخرة عذاب شديد. وفي هذا دلالة على أن من يرفض الهداية ويكذب بآيات الله ويعرض عنها فسوف يخسر دنياه وآخرته، وسيعاني من العذاب الشديد.

(إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ):
رد على قولهم: "إنما أنت مفترٍ"؛ والمعنى: إنما يليق الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يخاف الله. وأما من يؤمن بالله فلا يكذب على الله لأنه يخافه ويخشى عذابه. (وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) أي أن الكذب صفة من صفات الذين لا يؤمنون بآيات الله، أي هم الذين عادتهم الكذب لأنهم لا يبالون بالوقوع في المعاصي، والله تعالى في هذه الآية يعكس الاتهام الذي وجهه المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم. فالمفترون الحقيقيون هم الذين لا يؤمنون بآيات الله، وفي هذا التأكيد أن الكذب والافتراء لا يأتي إلا ممن يبتعدون عن الحق، وأنه من صفات الجبناء، أما الأحرار العدول الأتقياء فشعارهم الصدق، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

الخلاصة:

الآيات ترد على اعتراضات المشركين على تبديل بعض الآيات، وترد على ادعاءاتهم بأن القرآن ليس من عند الله، بالتأكيد على أن القرآن نزل بالحق بواسطة جبريل عليه السلام، وأنه هداية وثبات وبشارة للمسلمين. كما ترد على اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه تعلّم القرآن من بشر أعجمي، وتؤكد على أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، يعجز البشر عن أن يأتوا بمثله، ثم اختتمت الآيات بالوعيد للكفار الذين يرفضون الإيمان بآيات الله بالعذاب الأليم، وبيّنت أن الكاذبين هم الذين يكفرون بآيات الله تبارك وتعالى.

فائدة:

الناسخ والمنسوخ في آيات القرآن دليل على مصداقية الوحي، ويمثل أيضًا دليلًا على أن القرآن ليس من تأليف البشر، لأن البشر لا يمكنهم توقع التغيرات التي ستحدث في المستقبل، بينما يأتي النسخ استجابةً لحاجة حقيقية تنبأت بها الحكمة الإلهية. فهو إذاً ليس مجرد تغيير للأحكام، بل هو دليل على عظمة التشريع الإسلامي وإعجازه في مواكبة الحاجات البشرية المتغيرة، وصلاحية القرآن لكل زمان ومكان، ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

الناسخ والمنسوخ في القرآن والسنة يعني إلغاء أو تعديل حكم شرعي سابق بحكم جديد، أو لتوضيح أحكام كانت قد نزلت سابقًا. ويظهر رحمة الله في تسهيل الأحكام وفق ظروف الناس. وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

 1- نسخ الحكم وبقاء التلاوة: يعني أن حكم الآية تغير أو أُلغي، لكن النص القرآني نفسه ما زال يُتلى في القرآن.

2- نسخ التلاوة وبقاء الحكم: هنا يكون نص الآية غير موجود في المصحف، لكن حكمها الشرعي ما زال قائمًا. مثلًا، آية الرجم التي وردت في السنة النبوية، حيث يُعمل بحكمها "رجم الزاني المحصن"، ولكن الآية نفسها لا تُتلى في القرآن.

3- نسخ الحكم والتلاوة معًا: وفي هذا النوع، تم إلغاء كل من الحكم والنص القرآني معًا.

هذه نبذة مختصرة عن الناسخ والمنسوخ في القرآن، ومن أراد المزيد فليرجع إلى أقوال العلماء في تفصيل ذلك.

أضف تعليقك...

  • 18889 زيارات اليوم

  • 59214147 إجمالي المشاهدات

  • 3096395 إجمالي الزوار