-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)
هذه الآيات تتحدث عن مسألة الكفر بعد الإيمان وعن حالة من يُكرَه على الكفر. وتُبيّن أن الكفار الذين اختاروا الدنيا على الآخرة يعاقبون بالطبع على قلوبهم، وبالتالي يكونون غافلين عن الحق ومصيرهم الخسران في الآخرة. كما أنها تفرق بين من يُكره على الكفر ومن يختاره بإرادته، وتظهر عدل الله في التعامل مع كل حالة بناءً على نية الشخص وظروفه.
ثم يتحدث الله عز وجل - عن أولئك الذين تعرضوا للفتنة والاضطهاد في دينهم، ثم هاجروا وجاهدوا في سبيل الله وصبروا. وتبين مكانتهم وتؤكد على عدل الله - بأن توفى يوم القيامة كل نفس بما عملت، ولا يظلم ربّك أحدا.
(مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) : والنص هنا يغلظ جريمة من كفر بالله من بعد إيمانه . لأنه عرف الإيمان وذاق حلاوته ، ثم ارتد عنه إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة . فرماهم الله عز وجل - بغضب منه وبالعذاب العظيم ، والحرمان من الهداية ؛ ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار ؛ وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون .
و الآية تتناول نوعين من الأشخاص الذين يواجهون مسألة الكفر بعد الإيمان. الأول : هو الشخص الذي يُكرَه على الكفر بوسائل قهرية، ولكنه يحتفظ بإيمانه في قلبه مطمئنًا. والثاني : هو من يتقبل الكفر بطيب خاطر ويفتح صدره له. النوع الأول لا يُعاقب لأنه أُكره ولم يكن لديه خيار حقيقي، بينما النوع الثاني يقع تحت غضب الله ويواجه عذابًا عظيمًا. كما يوضح سبحانه وتعالى - أن من يُجبر على الكفر ولم يكن بإرادته، وهو في الحقيقة مطمئن قلبه بالإيمان، لا يُعاقب لأنه لم يختر الكفر بنفسه. وهذا يظهر رحمة الله - وعدله في التعامل مع ظروف الإنسان المختلفة. كما يُبيّن أن الإيمان الداخلي واليقين بالله -.هو الأساس، حتى لو اضطرّتهم الظروف الخارجية إلى القول أو الفعل بما لا يعكس الإيمان الحقيقي.
وفي الآية كذلك التأكيد على أهمية النية والقلب في مسائل الإيمان والكفر. (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) : قد أنعم الله تعالى - على الإنسان بموارد العلم: وهي القلب والسمع والبصر، فإن لم يستعملها في معرفة ربّه والإيمان به والتقرب إليه ، طبع الله - عز وجل - عليها ، وجعل على بصره غشاوة، فأصبح من الغافلين، وفي الآخرة من الخاسرين - والعياذ بالله - (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).
وهذه الآيات توضح سبب انصراف بعض الناس عن الإيمان بالله - واختيارهم الحياة الدنيا على الآخرة ، رغم أنهم قد عرفوا الإيمان وذاقوا حلاوته، وذلك لأنهم قد حقت عليهم كلمة ربّك تبارك وتعالى - والمقصود بـ "كلمة ربك" في الآية: هو حكم الله السابق أو قضاؤه المحتوم على هؤلاء الذين استحقوا عدم الهداية بسبب إصرارهم على الكفر والعناد. حتى لو شاهدوا جميع الآيات الدالة على الحق، إلا عند رؤيتهم للعذاب الأليم، وهو حين لا ينفع الإيمان. حيث بلغوا حداً من العناد والتكبر جعلهم غير مستعدين للإيمان، مهما رأوا من دلائل. لذلك، انصرفوا عن الإيمان الحق والعمل بكتاب الله - وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام - لصالح الدنيا الزائلة. فطبع الله - على قلوبهم وأغلقها عن الهداية، مما جعلهم غير قادرين على رؤية الحق أو سماعه.
ولأنهم فضلوا الحياة الفانية على الحياة الأبدية، كان جزاؤهم ومصيرهم الخسران في الآخرة. (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) : كرر قوله : " إِنَّ رَبَّكَ " للتأكيد ، والضمير في بعدها يعود على الأفعال المذكورة وهي الهجرة والجهاد والصبر. وذلك إشارة إلى الذين تعرضوا للفتنة والاضطهاد بسبب دينهم، لكنهم هاجروا فرارًا بدينهم إلى مكان أكثر أمانًا. وبعد هجرتهم، جاهدوا في سبيل الله لنصرة الإسلام، سواء كان الجهاد بالمال أو النفس أو بأي وسيلة أخرى . وإلى جانب الجهاد، تحلوا بالصبر على الابتلاءات والمحن التي واجهوها في سبيل الحفاظ على إيمانهم والثبات على الحق.
كما أن في الآية بيانا لمكانة هؤلاء المؤمنين الذين ضحوا وتحملوا لأجل دينهم. والله تبارك وتعالى - يطمئنهم ويبشرهم بأنه سيغفر لهم ما قد صدر منهم من ذنوب بسبب الاضطهاد أو الفتنة، وسيرحمهم برحمته الواسعة بسبب تضحياتهم وصبرهم. (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) : في ذلك اليوم تنشغل كل نفس بأمرها ، لا تتلفت إلى سواها، كل امرىء يجادل عن نفسه لعله ينجو بها من العذاب . وسيقف بين يدي الله ليحاجج عن نفسه ويبرر أعماله. في ذلك اليوم، الذي ستتم محاسبة كل فرد على ما عمله في الدنيا، ولن يُظلم أحد، لأن كل نفس ستوفى ما كسبته من خير أو شر بعدل تام. " فإن قيل: كيف يكون الجمع بين هذا القول وبين قوله : (هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ *وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) : فالجواب : الجمع بين الآيتين يكون من خلال فهم أن يوم القيامة مواقف متعددة، ولكل موقف حاله. تختلف باختلاف المواطن والأشخاص، ففي قوله تعالى: " يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا " يشير إلى لحظة معينة من يوم القيامة حيث يُسمح للناس بمحاولة الدفاع عن أنفسهم وتقديم حججهم. أما في قوله تعالى: " هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ *وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ " فهو في موقف آخر من يوم القيامة حين يُمنع الكفار من الكلام أو تقديم الاعتذار بعد أن يظهر الحق وتكون الحجة عليهم تامة. إذن، الآيتان تتحدثان عن مراحل مختلفة من يوم القيامة.
والخلاصة : أن الهجرة والجهاد في سبيل الله - هما من أعظم الأعمال التي يغفر الله تعالى - بها الذنوب ويرحم أصحابها. وأن الله تعالى - لا يضيع أجر المؤمنين الذين تعرضوا للظلم والاضطهاد، بل يعدهم بالمغفرة والرحمة، في يوم القيامة، حيث لا تنفع المجادلة أو التبريرات، بل كل نفس ستحاسب على ما عملته بالعدل الكامل. "وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"

أضف تعليقك...