السبت 2026-01-03
الآيات 112 - 113 من سورة النحل، اللقاء، (37)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)
الآيتان تحملان رسالة قوية مفادها أن النعم ليست دائمة إذا لم يصحبها شكر وعمل صالح، فالكفر بالنعمة والعصيان يؤديان إلى سلب النعم، وحلول النقم. وتتناولان قصة قرية كانت تعيش في نعمة وطمأنينة ولكنها كفرت بأنعم الله - فنزل عليهم العذاب، (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا): فائدة ضرب الأمثال في القرآن تكمن في توضيح المفاهيم المجردة وتبسيطها، وترسيخ المعاني في النفوس من خلال تشبيهات قريبة للفهم، والأمثال تجعل العبرة أكثر تأثيرًا وقابلة للتأمل، مما يساعد على توجيه الناس نحو التفكير السليم والعمل الصالح.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ): الله تعالى - يضرب للناس مثلاً بقرية كانت تعيش في حالة من الأمن والطمأنينة، يأتيها الرزق بسهولة ووفرة من كل مكان، فهذه القرية لم يكن ينقصها شيء من مقومات الحياة الكريمة. ومع كل هذه النعم، كفرت القرية بأنعم الله، أي أن أهلها جحدوا النعمة وتناسوا فضل الله عليهم، وتعدوا حدود الله بارتكاب المعاصي. (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ): الإذاقة هنا واللبس مستعاران، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا، حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فاستعير للجوع والخوف لمباشرتهما لهم كمباشرة الثوب للجسم، وكنتيجة لهذا الكفر، عاقبهم الله بأن أذاقهم الجوع والخوف، وهنا يأتي تعبير "لباس الجوع والخوف" كإشارة إلى أن هذه المعاناة أحاطت بهم من كل جانب كما يحيط اللباس بالجسد، فصاروا يعيشون في حالة من الفقر والقلق المستمر، وكل هذا كان نتيجة لما كانوا يفعلونه من كفر وتجبر وعصيان لأوامر الله.
(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ): رغم أن الله أرسل إليهم رسولًا منهم أي: من جنسهم، ومن قومهم، يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، والإيمان بالله وترك المعاصي، إلا أنهم كذبوا هذا الرسول ورفضوا رسالته، فكانت عاقبتهم أن أخذهم الله بالعذاب الشديد بسبب ظلمهم لأنفسهم وجحودهم بالحق، والآيات الكريمة - تضمنت أمهات النعم: وهي الأمان والاطمئنان، وكذلك رغد العيش، ورغد العيش يعني: الحياة الهنيئة والواسعة التي ينعم فيها الإنسان بالرفاهية والراحة، دون مشقة أو ضيق. مع وجود النعم والرزق الوفير، والتمتع بحياة مليئة بالاستقرار واليسر، كما يُقال: "ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية"
من مغازي الآيات:
التحذير لكل قرية تكفر بنعم الله - ولا تؤدي حق شكرها، وشكرها يكون باتباع الأوامر الشرعية، والكف عن المعاصي والظلم والطغيان، ويتناول المثل كل قرية بدلت نعمة الله كفرا، ويدخل في ذلك كفار قريش دخولا أوليا، وذلك لأنهم استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأبوا إلا خلافه - فأذاقهم الله - لباس الجوع والخوف، وقد جعلها الله تعالى - مثلاً لكل قوم ينعم الله تعالى - عليهم بهذه النعم، ثم يكفرون بها ولا يؤدون حق شكرها، فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، والعياذ بالله - (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).

أضف تعليقك...