• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الاثنين 2026-01-05

الآيات 114 - 119 من سورة النحل، اللقاء، (38)

تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 890
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات 114 - 119 من سورة النحل، اللقاء، (38)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (119)

هذه الآيات تحتوي على توجيهات ربانية تتعلق بالحلال والحرام في الأكل، حيث تأمر بالأكل من الحلال الطيب، وتحذر من الافتراء على الله - بتحليل ما حرمه أو تحريم ما أحله. كما أنها تذكر بالشكر على النعم، وتبيّن الأحكام المتعلقة بالمحرمات، وتوضح حال من يفترون على الله - وتظهر رحمته سبحانه - بالمذنبين التائبين، مع التأكيد على أن العقوبات ناتجة عن ظلم البشر لأنفسهم.

(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ): الله تعالى - يأمر الناس بالأكل مما رزقهم من الطعام الحلال الطيب، أي الذي لا ضرر فيه ولا قبح، ويبيّن لهم أنه يتعين عليهم شكره على ما منّ به عليهم من هذه النعم، وهذا الشكر يتمثل في الطاعة والامتثال لأوامره، وعدم استعمالها في معصية الله - وبذلها لمن يحتاجها من عباد الله - كما أنه سبحانه - يحب أن يرى أثر نعمه على عباده، ونعم الله كثيرة، ومنحه عظيمة، يمن بها على من يشاء من عباده، فهذا يعطيه مالا وآخر يمنحه عيالا وكذلك الأزواج الصالحين والأهل الطيبين، والأخلاق نعمة، وبر الوالدين وصلة الأرحام نعمة، ويفضل بعضهم على بعض، ويرفع بعضهم درجات؛ فعلى المؤمن أن يتعرض لمنح ربّه - بالطاعة وبالأخذ بالأسباب، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقوله تعالى: (إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): فيها توجيه واضح بأن عبادة الله تعالى- تستوجب الطاعة المطلقة له وحده، فإذا كنتم حقاً تعبُدون الله وتُخضعون حياتكم لأوامره، فإن ذلك يتطلب الالتزام بما أمر به، مثل الأكل من الحلال الطيب، وشكره على نعمه، بمعنى آخر: العبادة ليست فقط في الشعائر، بل تشمل أيضاً الامتثال لأوامره في حياتكم اليومية، وأحد مظاهر هذه العبادة هو الالتزام بما أحل الله والابتعاد عما حرمه.

(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): حرم الله تعالى - على عباده أكل الميتة، الدم المسفوح، ولحم الخنزير، وكل ما ذُبح لغير الله، لأنها نجسة أو ذات أضرار، لكن في حالة الاضطرار لإنقاذ الحياة، إذا لم يكن الشخص معتدياً أو متجاوزاً الحدود، فإن الله غفور ورحيم، أي يرفع عنه الإثم في هذه الحالة، والدم المسفوح: هو الدم الذي يُسفَك أو يُراق ويخرج من جسم الحيوان عند ذبحه، ويُقصد به الدم الذي يتدفق ويخرج بغزارة أثناء الذبح، بخلاف الدم الذي يبقى في اللحم أو الأعضاء الداخلية بعد الذبح، فإنه مباح ولا يشمله التحريم.

(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ): هذه الآية في حق القضاء في الأحكام، فالقاضي أو الشخص الذي يحكم بغير ما أنزل الله تعالى - وهو يعلم حكم الله تعالى - فهو كافر - والعياذ بالله - ومثال ذلك ما فعله بعض العرب في الجاهلية، حيث أحلوا أشياء وحرموا أشياء كالبحيرة وغيرها، مما ذكر في سورة المائدة والأنعام، وقد يدخل فيها كل من قال: هذا حلال أو هذا حرام بغير علم، حيث تحذر الآية من التجرؤ على تحليل وتحريم الأشياء من تلقاء النفس دون دليل شرعي. والادعاء الكاذب على الله بتحليل الحرام أو تحريم الحلال هو افتراء خطير، والذين يفعلون ذلك (لَا يُفْلِحُونَ) والفلاح هنا يعني: تحقيق الخير والفوز والسعادة الحقيقية، في الدنيا والآخرة، وهؤلاء الذين يتجرؤون بالكذب على الله لن يصلوا إلى ذلك، بل سينالون الخسارة والعذاب؛ لأنه لا يفلح الكافر مهما كان عنده من مال أو جاه، فحياته في كرب شديد، محبوس في جلده، ونهايته بئيسة مؤلمة.

(مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): يعني عيشهم في الدنيا قليل وزائل، مقابل ما ينتظرهم في الآخرة من عذاب أليم أشد وأدوم، أو أن المقصود؛ انتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم قليل بالنسبة لمتاع الدار الآخرة، لمن أطاع الله ورسوله.

(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ): يذكر الله تعالى - هنا أنه حرم على اليهود بعض الأطعمة التي ذُكرت في القرآن بسبب ظلمهم وعصيانهم. ولم يكن ذلك ظلماً لهم من الله، بل هم الذين ظلموا أنفسهم بأفعالهم التي جلبت لهم هذه العقوبات، وذلك بقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)، فذكر -عز وجل - ما حرم على المسلمين، وما حرم على اليهود، ليُعلم أن تحريم ما عدا ذلك هو افتراء على الله - كما فعلت العرب في الجاهلية.

(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ): هذه الآية تأنيس لجميع الناس وفتح باب التوبة لهم، حيث يُبشّر الله تعالى - عباده الذين ارتكبوا المعاصي عن جهل أو غفلة ثم تابوا وأصلحوا حالهم، بأن الله غفور ورحيم، يغفر لهم ويعفو عن سيئاتهم إذا تابوا بصدق وعملوا الصالحات.

ومغزى هذه الآيات:

يتجلى في عدة نقاط أساسية: منها أن الله تعالى - يحدد للإنسان ما هو الحلال الطيب الذي يجوز له تناوله، وما هو المحرم الضار الذي يجب تجنبه، وهذا يرسخ مفهوم أن شرع الله تعالى - هو ما يجب أن يُتبع، وليس لبشر أن يخالفه.

كما تدعو الآيات إلى شكر الله - على نعمه من الرزق الحلال والطيبات. وهذا الشكر يكون بالطاعة لله - واتباع أوامره، وفيها الاعتراف بأن كل النعم من الله، والتحذير لمن يحاولون تشريع أمور لم ينزل الله بها من سلطان، سواء بالتحليل أو التحريم من تلقاء أنفسهم. وأن هذه الأفعال تعتبر افتراءً على الله وتؤدي إلى الفشل والخسارة.

وفيها تأكيد العدالة الإلهية: إذ إن الله سبحانه - لا يظلم أحداً، وكل عقوبة أو حرمان هي نتيجة ظلم الناس لأنفسهم بأفعالهم السيئة، وهذه العدالة شملت حتى الأمم السابقة كاليهود.

وأخيرا: الآيات تفتح باب الرجاء للمذنبين، حيث يشير الله إلى أنه غفور رحيم لمن يرتكب الخطأ عن جهل أو غفلة، ثم يتوب ويصلح من حاله، ويعمل الأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله عز وجل.

فائدة:

نحن أمة فضلها الله تعالى على سائر الأمم، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم - أفضل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه - وخاتمهم، لذا: وجب علينا حمل رسالة الدعوة إلى سبيل الله تعالى - لجميع الناس، بالحكمة والموعظة الحسنة، نتيجة لهذا التفضيل وهذه الميزة وهذا التكريم من ربّ العالمين، لأنه كما قيل: "الغنم مع الغرم" أي من يريد أن يحقق الأرباح أو الفوائد، يجب عليه أن يكون مستعدًا لتحمل التكاليف والمخاطر المحتملة.

ولابد من أن نظهر الإسلام للناس في أخلاقنا وفي أفعالنا ومعاملاتنا لكي يروا جمال الإسلام، فيدخلوا في دين الله - أفواجا، وألا نكون سبباً في صدهم عن الإسلام، بسبب ما يرونه في سوء أخلاق ومعاملات بعض من ينتسبون للإسلام، (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، كما أنه لابد من فهم الدين وتعلم تعاليمه، لأن الجهل بشرائع الإسلام هي سبب إنحراف الكثير من المسلمين عن دينهم، فيصبحون اسم على غير مسمى - والعياذ بالله-.

 

 

أضف تعليقك...

  • 18020 زيارات اليوم

  • 59213282 إجمالي المشاهدات

  • 3096391 إجمالي الزوار