الثلاثاء 2026-01-06
الآيات (120-123) من سورة النحل، اللقاء (39)
تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
هذه الآيات تُبرز صفات خليل الله -إبراهيم عليه الصلاة والسلام- النبيلة وخصاله الفريدة التي جعلته نموذجًا للناس يُحتذى به في الإخلاص لله، والشكر على نعمه، والابتعاد عن الشرك. كما تؤكد على مكانته الرفيعة في الدنيا والآخرة، وتحث النبي محمدًا ﷺ وأتباعه من المؤمنين على اتباع طريقه في التوحيد الخالص لله، مما يبين أن دعوة الأنبياء قائمة على نفس الأساس: عبادة الله وحده.
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}: أي: إمامًا جامعًا لخصال الخير هاديًا مهتديًا. وفي الآية تعظيم لشأن إبراهيم عليه السلام، واصفة إياه بأنه كان "أمة"، أي بمثابة قدوة عظيمة، فهو يجمع في نفسه من الخصال ما يكون في جماعة من الناس، وجاء في معنى كان أمة: أي أنه كان وحده أمة من الأمم بكماله وجمعه لصفات الخير "وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد". والوجه الآخر: أن يكون أمة بمعنى إمام كقوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} كما قيل في معنى أمة: أي هو معلم الناس الخير. وعمومًا: فإن الأمة تطلق على القدوة، أو على من هو على رأس الأمر، أو من هو الأول والأسبق إليه، وقد اجتمعت كلها في خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام. {قَانِتًا لِلَّهِ} أي: مطيعًا مخلصًا، مداومًا على طاعة الله تعالى، {حَنِيفًا} أي مائلًا منحرفًا عن طرق الشرور وعن الضلال والباطل إلى التوحيد. مقبلًا على الله بالمحبة، والإنابة والعبودية معرضًا عمن سواه. {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أي لم يكن في قوله وعمله، وجميع أحواله، من المشركين بل كان موحدًا لله لأنه كان إمام الموحدين الحنفاء. ونفى عنه الشرك لقصد الرد على المشركين من العرب الذين كانوا يدّعون أنهم على ملة إبراهيم وينسبون أنفسهم إليه.
{شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: أي كان دائم الشكر لله على نعمه الكثيرة، والشكر هنا يُظهر تميّز إبراهيم في العلاقة مع الله. ثم تُشير الآية إلى أن الله "اجتباه" أي اصطفاه واختاره للنبوة، "وهداه إلى صراط مستقيم" أي أرشده إلى الطريق الحق وهو طريق التوحيد والإيمان بالله. على دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية.
{وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}: في هذه الآية يُظهر الله فضله على إبراهيم في الدنيا والآخرة. فقد أعطاه "في الدنيا حسنة" أي الخير والبركة مثل الذرية الصالحة، والسمعة الطيبة، والمكانة الرفيعة، ولسان الصدق في الآخرين، فجميع الأمم متفقون عليه، ويدعون أنهم ينتسبون إليه، وقيل: يعني المال والأولاد. {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}: أي من الذين سيحظون بالجنة والنعيم الأبدي، مما يؤكد علو منزلته في الدنيا والآخرة.
{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: في هذه الآية، يأمر الله النبي محمدًا ﷺ ومن تبعه من المؤمنين بأن يتبعوا "ملة إبراهيم حنيفًا" أي طريقة إبراهيم عليه السلام في التوحيد والإيمان الخالص بالله، مبتعدين عن الشرك بكل أنواعه. وتكرار تأكيد أن إبراهيم "ما كان من المشركين" يشدد على نقاء توحيده، ويحث المسلمين على الاقتداء به.
من مغازي الآيات: أنها تؤكد على أن الإيمان الحقيقي يقوم على الإخلاص والتوحيد الخالص لله، كما تمثله حياة إبراهيم عليه السلام. وتدعو المسلمين إلى الاقتداء به، مع التأكيد على أن هذا الطريق هو سبيل الهداية في الدنيا والفوز في الآخرة. وتُظهر أن إبراهيم عليه السلام هو قدوة في الإيمان والتوحيد، حيث كان أمة في نفسه، بمعنى أنه كان جامعًا للخصال الحميدة، متفانيًا في طاعة الله، مبتعدًا عن الشرك، وشاكرًا دائمًا لنعمه. وهذا الشكر يعكس عمق علاقته مع الله، مما جعله مصطفى ومختارًا للنبوة والهداية. كما يبيّن الله تعالى أن إبراهيم لم يحظَ فقط بالحسنة في الآخرة، بل أيضًا بالخير والبركة في الدنيا، مما يشير إلى أن الإخلاص لله والشكر لنِعَمه يعود بالخير على الإنسان في كلا الدارين. كما يأمر النبي محمدًا ﷺ باتباع ملة إبراهيم، مما يعزز أهمية التوحيد وأن إبراهيم عليه السلام هو النموذج الذي يجب على المسلمين أن يسيروا على خطاه في عبادتهم لله وابتعادهم عن الشرك.

أضف تعليقك...