• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الخميس 2026-01-08

الآية (125) من سورة النحل، اللقاء، (41)

تأمّلات في مغزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 197
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآية (125) من سورة النحل، اللقاء، (41)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}{125} 

الدعوة أمر واجب على كل مسلم، كل بقدر استطاعته، بيده أو بلسانه أو بقلبه، إلى كل ما يحبه الله ويرضاه، الدعوة إلى تعظيم الله وإلى الصلاة والزكاة والصيام والحج لمن استطاع، والدعوة لبر الوالدين والإحسان إليهما وصلة الأرحام، الدعوة إلى التسامح والتعايش والتواضع والإحسان إلى الناس والرحمة بالضعفاء والفقراء والمحتاجين، الدعوة إلى كلّ خير، والآية الكريمة ترشدنا إلى كيفية دعوة الناس إلى دين الله عز وجل بأسلوب حكيم، يتسم بالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، مما يوضح أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون متسمة بالرقي والحكمة، مع تذكير الداعية بأن الهداية بيد الله وحده.

وعلاقة هذه الآية بالآيات التي بعدها:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} {126} ، هو إظهار توازن الإسلام بين الدعوة بالحكمة والموعظة وبين العدالة في المعاملة والرد على الأذى بالمثل، وأن الرد بالعقاب لا يجب أن يتعدى حدود العدل، فهي تؤكد مبدأ العدل في العقاب، مع الدعوة إلى الاحتمال والتسليم لله في الأمور التي قد لا يتمكن المسلم من تغييرها، مشيرة إلى أن الصبر هو خير سبيل في مواجهة التحديات.

(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ): ورأس الدعوة هو دعوة الناس إلى طريق التوحيد والإيمان بالله تعالى. والمراد بالحكمة: أي الفهم العميق والقدرة على توصيل الحق بأسلوب يراعي الموقف والحالة النفسية للمستمع. ورأس الحكمة: هو فهم الشرع والعمل بمقتضاه، وأصل كلمة "الحكمة" في اللغة العربية يعود إلى الجذر الثلاثي "حَكَمَ"، والذي يعني المنع. ومن هذا الجذر اشتُقت الكلمة لتشير إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح ومنعها من الخروج عن الاعتدال. ومقتضى الحكمة إذاً: هو الفهم العميق، وإصابة الحق، وإحكام الأمور بشكل صحيح، والقدرة على التصرف السليم واختيار الأفضل في المواقف. وتعتبر الحكمة جزءًا من صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والحكماء من الناس، كما ورد في القرآن الكريم، بقوله تعالى: "وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا". فالدعوة يجب أن تكون بأسلوب حكيم، متزن ومناسب لكل شخص حسب حاله وعقله. والحكيم بحق: هو من يُرزق الفهم والعلم والعمل، فلابد من العمل بما علم ليكون حكيماً، أي كما قيل: "أن يُرزق العمل بالفهم الصحيح".

( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ): تشير إلى النصائح والإرشادات الطيبة والمناسبة، التي تخاطب القلوب وتؤثر في النفوس بلين ورحمة. والموعظة الحسنة: هي تلك التي تقال بأسلوب محبب لا يتسم بالقسوة أو الشدة.

(وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): الجدال هنا معناه الحوار والنقاش الهادئ، ويكون "بالتي هي أحسن"، أي بأفضل الأساليب وأكثرها رفقًا، دون تجريح أو تهكم. وهذا النهج في الجدال يظهر أهمية الحوار البناء الذي يهدف إلى الهداية، وليس لإظهار التفوق على الخصم وبيان ضعفه.

وقيل: المراد بالسبيل هنا: الإسلام، والحكمة هي الكلام الذي يظهر صوابه، والموعظة هي الترغيب والترهيب، والجدال هو الردّ على المخالف، وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدال.

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ): في نهاية الآية، يطمئن الله النبي ﷺ ومن سار على نهجه من الدعاة والمربين والمصلحين، بأنه هو العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الضلال، وأن دورهم هو الدعوة بالأسلوب الحسن وليس عليهم هداية الناس بالإكراه، فالهداية بيد الله وحده.

من مغازي الآية الكريمة: أنها تهدف إلى تعليم العلماء والدعاة وكافة المسلمين، وتأمرهم بدعوة الناس "إلى سبيل الله"، أي: إلى دين الله وشريعته التي هي شريعة الإسلام، بالقول المحكم الصحيح الموضح للحق، المزيل للباطل، الذي يقع في النفس أجمل موقع. وحذف سبحانه - مفعول الفعل "ٱدۡعُ" للدلالة على التعميم، أي: ادعُ كل من هو أهل للدعوة إلى سبيل ربك، وأضاف سبحانه - السبيل إليه: للإشارة إلى أنه الطريق الحق، الذي من سار فيه سعد وفاز، ومن انحرف عنه شقي وخسر.

وقوله تعالى: "والموعظة الحسنة" أي وسيلة ثانية للدعوة إلى الله، أي وادعهم أيضًا إلى سبيل ربك بالأقوال المشتملة على العظات والعبر التي ترقق القلوب، وتهذب النفوس، وتقنعهم بصحة ما تدعوهم إليه، وترغبهم في الطاعة لله تعالى، وترهبهم من معصيته - عز وجل.

وقوله: "وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ" بيان لوسيلة ثالثة من وسائل الدعوة السليمة، أي: وجادل المعاند منهم بالطريقة التي هي أحسن الطرق وأجملها، بأن تكون مجادلتك لهم مبنية على حسن الإقناع، وعلى الرفق واللين وسعة الصدر، فإن ذلك أبلغ في إطفاء نار غضبهم، وفي كسر عنادهم، وفي إصلاح شأن أنفسهم، وفي اقتناعهم بأنك إنما تريد من وراء مجادلتهم الوصول إلى الحق دون أي شيء سواه.

وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت أقوم طرق الدعوة إلى الله، وبيّنت أفضل وسائلها، وأنجحها في هداية النفوس. إذ إنها تأمر الدعاة في كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى سبيل الله لا إلى سبيل غيره، أي: إلى طريق الحق لا طريق الباطل، كما تأمرهم أيضًا أن يراعوا في دعوتهم أحوال الناس، وطباعهم، وسعة مداركهم، وظروف حياتهم، وتفاوت ثقافاتهم، وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذي تسعه عقولهم، وبالأسلوب الذي يؤثر في نفوسهم، وبالطريقة التي ترضي قلوبهم وعواطفهم.

فمن لم يقنعه القول المحكم قد تقنعه الموعظة الحسنة، ومن لم تقنعه الموعظة الحسنة قد يقنعه الجدال بالتي هي أحسن. ولذلك كان من الواجب على الدعاة إلى الحق أن يتزودوا بجانب ثقافتهم الدينية الأصيلة الواسعة بالكثير من ألوان العلوم الأخرى كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ، وطبائع الأفراد والأمم، فكما أن أمراض الأجسام مختلفة، ووسائل علاجها مختلفة، كذلك أمراض النفوس متنوعة، ووسائل علاجها متباينة.

فمن الناس من يكون علاجه بالمقالة المحكمة، ومنهم من يكون علاجه بالعبارة الرقيقة الرفيقة التي تهز المشاعر، وتثير الوجدان، ومنهم من يكون علاجه بالمحاورة والمناقشة والمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن، لأن النفس الإنسانية لها كبرياؤها وعنادها، وقلما تتراجع عن الرأي الذي آمنت به إلا بالمجادلة بالتي هي أحسن.

والحق: أن الدعاة إذا فقهوا هذه الحقائق، فتسلحوا بسلاح الإيمان والعلم، وأخلصوا لله تعالى القول والعمل، وفطنوا إلى أنجح الأساليب في الدعوة إلى الله، وخاطبوا الناس على قدر عقولهم واستعدادهم، نجحوا في دعوتهم بإذن الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

أضف تعليقك...

  • 16933 زيارات اليوم

  • 59212206 إجمالي المشاهدات

  • 3096380 إجمالي الزوار