-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)
تشير هذه الآيات إلى مبدأ العدل في القصاص. وتشدد على العدل والصبر والتوكل على الله في مواجهة الأذى. وتؤكد على أن للصبر فضيلة عظيمة تعود بالنفع على المؤمنين، وتبيّن أن معية - الله تبارك وتعالى - مع أولئك الذين يسيرون في طريق التقوى والإحسان. وأنه إذا ما عاقب المسلمون أحدًا أو ردوا على ظلمٍ وقع عليهم، فإنهم مأمورون بأن تكون العقوبة متناسبة مع الأذى الذي تعرضوا له.
وهذا المبدأ يعزز العدالة ويمنع الظلم والانتقام المفرط. فبعد أن بين - سبحانه - أفضل أساليب الدعوة إلى سبيله تعالى - في حالة المسالمة والمجادلة بالحجة والبرهان ، كما جاء في الآية السابقة بقوله : (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآية، أتبع ذلك ببيان ما ينبغي على المسلم أن يفعله فى حالة الاعتداء عليه أو على دعوته إلى سبيل ربّه - فقال : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) : فكلتا الآيتين تدور حول فكرة ضبط النفس والاعتدال في التعامل مع الآخرين، مع التحلي بالحكمة والرفق، سواء في مجال الدعوة أو في رد الفعل تجاه الأذى. لأن الدعوة بالحسنى هي الأساس، وإن كان هناك ضرورة للعقاب أو القصاص، فإن العدل والاعتدال هما المطلوبان، مع التشجيع على التحلي بالصبر ، والتأكيد على أن الصبر والعفو هما الأفضل عند الله
والمعنى : إن صُنع بكم صنع سوء، فافعلوا مثله ولا تزيدوا عليه، فالكثير من الناس يكون مظلوماً ثم ينتقم بأكثر من مظلمته، فيصبح ظالماً. ويحتمل أن يكون معنى عاقبتم أي أصبتم عقبى، بمعنى : ظفرتم بهم، أي إن أخذ منكم رجل شيئا، فخذوا منه مثله، أي أن القصاص هنا هو استرداد حق أو فائدة، وليس مجرد رد فعل على الأذى. وفي هذا نوع من التجنيس في اللفظ بين معنيين مختلفين للكلمة نفسها، حيث يُستخدم لفظ واحد لأداء معانٍ متعددة ولكن متقاربة في السياق. وهذا من بلاغة القرآن الكريم
واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه ؟ فأجاز ذلك قوم لظاهر الآية، ومنعه مالك - لقوله عليه الصلاة والسلام: (أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمَنكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَك )، وهو أقرب للتقوى، لقوله: (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ)، وفي هذا ندب إلى الصبر وترك عقوبة من أساء إليك، فإن العقوبة مباحة، وتركها أفضل، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يراد به المخاطبون، بأن الصبر خير لهم.
والمعنى : إن الصبر على الأذى وعدم الرد بالمثل أفضل وأحب إلى الله عز وجل - وهو ما يُعظم من شأن الصابرين في الدنيا والآخرة. كما أن الصبر هنا لا يعني الضعف، بل هو تعبير عن القوة الداخلية والاعتماد على الله - في أخذ الحق. (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) : توجه هذه الآية المؤمنين إلى الصبر، ولكنه صبر ليس عاديًا، بل هو صبر يعتمد فيه على الله - وحده. وفي هذا إشارة إلى أن الله - هو المصدر الحقيقي للقوة والثبات. وليس المقصود بالصبر هنا ترك قتال أعداء الله - المعتدين، لقوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، وقوله : (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ). ثم ثنى سبحانه - بقوله : (ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) : أي يأمرنا ربّنا تبارك وتعالى - بعدم الاستسلام للحزن أو الشعور بالضيق تجاه مكر الأعداء، ومكائدهم، ولا نتأسف لكفرهم، لأن الله تعالى - مع عباده المتقين المحسنين. فمن كان الله - معه ، فقد فاز بكل شيء، ومن لم يكن الله - معه، فقد خسر كل شيء.
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ يريد أنه معهم بمعونته ونصره، لأن لله تعالى - معيتان، معية عامة لجميع الناس، ومعية خاصة للمتقين، الذين يحسنون في أعمالهم وعباداتهم، ويعاملون الناس بالإحسان، ﴿وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ ، الإحسان هنا يراد به فعل الحسنات، والمعنى الذي أشار له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ ). وبمعنى آخر : المتقون هم الذين يخافون الله - ويعدلون في أقوالهم وأعمالهم، والمحسنون هم الذين يتجاوزون مجرد العدل إلى الإحسان في المعاملة. "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " الزيادة : هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم ، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه ، لا يستحقونها بعملهم ، بل بفضله ورحمته سبحانه وتعالى
وهكذا تختتم هذه السورة الكريمة، بهذه الآية العظيمة، التي فيها التأكيد بأن الله - مع المتقين المحسنين، الذين يخافون الله - ويتجنبون المعاصي، ويحسنون فيما بينهم وبين ربّهم، ويحسنون فيما بينهم وبين الناس، أنه تعالى - معهم بنصره وتأييده.
من مغازي الآيات : أنها تعلمنا أن نلتزم بالعدل في الرد على الأذى، دون تجاوز الحد، أو أن نتحلى بالصبر، فالصبر أفضل من الانتقام. لأن معنى الصبر ليس مجرد تحمل الأذى، بل هو اعتماد على الله تعالى - في مواجهة التحديات. وبالتقوى والإحسان نكسب معيته سبحانه - وننال رضاه، مما يعطينا طمأنينة وراحة ورضا وثقة في مواجهة أعباء الحياة.
تمت السورة، ولله الحمد والمنّة، وبه التوفيق والعصمة.

أضف تعليقك...