الاثنين 2026-01-12
الآيات 01 - 05 سورة الحجر، اللقاء، (01)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ (1) رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ (4) مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5)
افتتحت السورة بالإشادة بآيات كتاب الله عز وجل - ورسالته سبحانه - للبشرية ككل لتكون هداية ونورًا، (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ): والمراد بالكتاب: القرآن الكريم، ولا يقدح في هذا، كونه ذكر لفظ القرآن بعده، لأنه - سبحانه - جمع له بين الاسمين - الْكِتَابِ والقُرْآنٍ- تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لقدره، و "تِلْكَ" المقصود هنا الإشارة إلى ما سيتبع من آيات هذه السورة، - وفي الوقت نفسه يشمل هذا التعبير القرآن كاملاً بوصفه كتابًا يحتوي على آيات واضحة ومبيّنة - "وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ" تؤكد وضوح القرآن وأنه كتاب مبين فيه الهداية والبيان لكل ما يحتاجه الإنسان، وأنها بالغة الأهمية، وتسترعي الانتباه لها وتدبّرها.
وهذه السورة تركز على مجموعة من المقاصد المهمة، وسيأتي الحديث عنها، منها:
- إثبات عظمة القرآن، والتذكير بعاقبة الأمم السابقة: وتعرض جانبا من قصص قوم عاد، وثمود، ولوط لتبيان عاقبة تكذيب الأنبياء.
- وتشير كذلك السورة إلى مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى - في خلق السماوات والأرض والإنسان.
- كما تُطمئن النبي عليه الصلاة والسلام - والذين آمنوا معه، والذين يتبعونه ويسيرون على نهجه وسنته إلى يوم القيامة، وتثبت قلوبهم على الدعوة إلى سبيل ربّهم، رغم تكذيب الكفار.
وتحذر الكافرين بأنهم سيواجهون العذاب الأليم إذا استمروا في تكذيب كتاب الله تعالى - والإعراض عن آياته، بتعطيل أوامرها، وانتهاك محارمها، ووصف الكتاب بأنه "قرآن" من كلمة " قرأ " التي تعني القراءة أو التلاوة؛ وذلك لأنه يُتلى ويُقرأ بشكل مستمر تعبداً لله - وتقرباً به إليه عز وجل - (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ): جمعه: أي حفظه في القلوب، وقرآنه: أي طريقة تلاوته على الألسنة.
ولقد تولى سبحانه وتعالى - جمع هذا القرآن العظيم، وحفظ تلاوته على الوجه الصحيح، في قلوب وألسنة أهل القرآن، الذين هم أهله وخاصته عز وجل - بدءاً من رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - إلى ما شاء الله - (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ): فلا يزال القرآن يُتلى بالسند المتقن على ما تلقاه النبي عن جبريل عليه السلام - من ربّ العزة ذي الجلال والاكرام - بواسطة الوحي، ويتضمن هداية وتشريعات للناس، ويحتوي على تعاليم أخلاقية وروحية، وقوانين تنظم الحياة البشرية، وقوله: "مبين" أي واضح في حججه ومعانيه، وليس فيه غموض. حيث إنه يظهر الحق ويفصل بين الصواب والخطأ، ويكشف عن أحكام الله عز وجل - بوضوح تام.
واستخدام الأحرف المقطعة " الٓر" في بداية هذه السورة وغيرها من بعض السور القرآنية، لا مدلول لها في ذاتها، ولا يوجد تفسير محدد لها، ولكنها دلالة على إعجاز لغوي لهذا القرآن، الذي يتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وقيل: هي من المتشابه الذي علينا أن نؤمن به إيماننا بالغيب. لأن تفسير القرآن الكريم عموماً يحمل على أربعة أمور، منه ما هو معروف من لغة العرب، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما لا يعذر أحد بعدم فهمه، وهو ما يتضمن آيات الأحكام والفرائض، ومنه ما هو متشابه، لا يعلمه إلا الله تعالى - وهو ما يتعلق بالمغيبات.
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ): "تلك" الآيات العالية الأفق، البعيدة عن النيل منها، المعجزة في التنسيق. القرآن الواضح الكاشف المبين. الذي لا لبس فيه، (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ): فالقرآن يبيّن القرآن، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ)، وكذلك السنة تبيّن القرآن، لحديث: "ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه"، كما أن تفسير العلماء والفقهاء يبيّن القرآن، (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، وكذلك سؤال أهل الذكر يبيّن القرآن، (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
وآيات سورة الحجر تضمنت قصص الأنبياء والأمم السابقة، وإظهار عاقبة المكذبين، وتُظهر كذلك أن الرسالة الإلهية الموجودة في القرآن هي واضحة لكل من يرغب في الهداية، بعد ذلك تتحدث الآيات عن عاقبة الكافرين ونهاية كل أمة، فهي تدعو إلى الاعتبار والوعي بأن الانشغال بالدنيا عن الآخرة عاقبته وخيمة، وأن لكل أمة نهاية مكتوبة في علم الله تعالى - لا تتقدم ولا تتأخر.
كما تقدم عدة رسائل هامة، ويمكن شرحها كما يلي: (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ): ﴿رُّبَمَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، أي يتمنون ولكن حيث لا ينفع التمني، وفيها التهديد الخفي، وفيها كذلك الحث على انتهاز الفرصة المعروضة للإسلام والنجاة قبل أن تضيع، عندما يأتي اليوم الذي يودون فيه لو كانوا مسلمين، فما ينفعهم يومئذ أنهم يودون ويتمنون، وهذه الآية تشير إلى أن للكفار وقتا يندمون فيه على عدم إيمانهم بالله ورسوله، ربما يكون ذلك اليوم عند الموت، أو في يوم القيامة، أو حين رؤية العذاب، أو إذا أُخرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح لحديث روي في ذلك، وسيودون عندئذ لو أنهم كانوا قد أسلموا واتبعوا الطريق الصحيح.
(ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ): في هذه الآية، يأمر الله تعالى - بترك الكفار والعصاة الذين لا يستجيبون لأمر ربّهم- واتباع آياته، وإهمالهم وعدم الاكتراث بهم - وهذا من باب التهديد والوعيد - ﴿ذَرْهُمْ﴾ لينشغلوا بمتع الدنيا المؤقتة وأمانيهم الكاذبة، ولكنهم سيكتشفون في النهاية، عند حلول الأجل أو يوم القيامة، الحقيقة التي طالما تجاهلوها، ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع فقط، لا تأمّل فيها ولا تدبر ولا استطلاع، ذرهم في تلك الدوامة: الأمل يلهي والمطامع تغر، والعمر يمضي والفرصة تضيع، ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين، الذين ضلوا في متاهة الأمل والغرور الذي يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع، ويملي الله تعالى - لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود، وأنهم محصلون ما يطمعون إليه، لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم منه مانع، وأن ليس وراءهم حسيب ولا رقيب، وأنهم ناجون في الآخرة بما يتمنون ويأملون، على ما هم فيه من غفلة وإعراض.
(وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ): تبين هذه الآية أن الله لم يهلك أي أمة من قبل إلا بعد أن كتب لها وقتاً معلوماً وأجلاً محدداً، ﴿كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي وقت محدود، فلا يقع الهلاك عشوائياً بل بمقتضى علم الله - وحكمته. وذلك الكتاب المعلوم والأجل المقسوم، يمنحه الله للقرى والأمم، لتعمل، وعلى حسب العمل يكون المصير، فإذا هي آمنت وأحسنت وأصلحت وعدلت مد الله في أجلها، حتى تنحرف عن هذه الأسس كلها، ولا تبقى فيها بقية من خير يرجى، عندئذ تبلغ أجلها، وينتهي وجودها، إما نهائيا بالهلاك والدثور، وإما وقتيا بالضعف والذبول، (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ): فمصير كل أمة محدد مسبقاً في علم الله، سواء بحياتها أو هلاكها، فلا يغرنهم تخلف العذاب عنهم فترة من الوقت، وإن سنة الله لماضية لا تتخلف، وهلاك الأمم مرهون بأجلها الذي قدره الله لها; مترتب على سلوكها الذي تنفذ به سنة الله - ومشيئته في خلقه.
فائدة: قد يقال: إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل. وهي مع ذلك قوية ثرية باقية.
الجواب: لا بد من وجود بقية من خير في هذه الأمم. ولو كان ذلك الخير هو عمارة الأرض، أو أن خيرها هو العدل في حدوده الضيقة بين أبنائها، أو أن خيرها يكون الإصلاح المادي والإحسان المحدود بحدودها، فعلى هذه البقية من الخير تعيش، حتى تستنفدها، ثم لا يبقى فيها من الخير بقية، عندها حتماً لا بد أن تنتهي إلى المصير المعلوم. والله أعلم.

أضف تعليقك...