-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)
(اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) : وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله عز وجل - (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فالله تعالى - وحده يعلم ما تحمل كل أنثى، سواء كان الحمل كاملًا أو ناقصًا. ذكرا أو أنثى، أو تاما أو خداجا، أو غير ذلك، وما تَغِيض الأرحام أي ما ينقص من مدة الحمل، وما تزداد - يشير إلى ما يزيد من مدة الحمل. فكل شيء عند الله بمقدار وبتقدير دقيق. فإن قيل إن الأجهزة اليوم تبين نوع الجنين في بطن أمه، فذلك يكون بعد أن يُخلّق وليس قبل ذلك ، كما أنه عن طريق جهاز تصوير إشعاعي، فهو تصوير وقياس، أي؛ من علم الواقع، وليس من علم الغيب.
وتأتي هذه الآية في سياق السورة التي تركز على إثبات قدرة الله تعالى - المطلقة وعلمه، وتنظيم الكون. وهي تتكامل مع موضوع السورة بإبراز علم الله - الواسع وتقديره الدقيق لكل شيء في الكون، سواء في السماء أو الأرض أو في أدق تفاصيل حياة الإنسان، مما يرسخ مفهوم القدرة الإلهية والعلم المطلق، فكما أن الله يدبر شؤون الكون بدقة، هو كذلك يعلم ويدبر تفاصيل حياة الإنسان، بما في ذلك ما يجري في أرحام النساء، وهو ما يُعد ردًا على من يشكك في علم الله الشامل.
(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ): التأكيد على أن الله تعالى قدّر كل شيء في الكون بدقة وحكمة، من أصغر الأمور إلى أكبرها. هذا يشمل الأرزاق، والأعمار، والأحداث، وكل ما يجري في حياة الإنسان. لا يحدث شيء إلا بقدر الله وعلمه، وبحكمة إلهية تتوافق مع مصلحة الخلق، وهذه الآية تعزز في النفس معاني الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وتدعو الإنسان للاطمئنان بأن ما قدره الله له هو الأصلح، حتى لو لم يدرك الحكم من ورائه.
(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) : هذه الآية تؤكد علم الله تعالى - المحيط بكل شيء، سواء كان غيبًا أو شهادة، أي ما خفي عن الإنسان وما هو ظاهر له. كما يوضح أن الله هو الكبير : الذي لا يكبر عنه شيء، ولا يعجزه شيء، والمتعالي : عن صفات الخلق، المتنزه عن كل نقص. (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) : المعنى؛ سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء، مع السارب بالنهار، وهو في غاية الظهور ومعنى السارب: المتصرف في سَربه، " بفتح السين " : أي في طريقه، لأن كل مخلوق يسير في الأرض أو يسلك طريقًا مختلفًا، سواء كان ظاهرًا أو خفيًا.
فالله سبحانه وتعالى - يعلم كل ما يفعله أي مخلوق، سواء كان ذلك في السر أو العلن، في الخفاء أو في الظهور، ليلاً أو نهارًا. لا فرق عند الله بين من يخفي قوله أو يجهر به، أو من يختبئ في الليل أو يسير علنًا في النهار. ولا يخفى عليه شيء من أفعال البشر. وهذا يدعو الإنسان إلى تقوى الله في جميع أحواله، وفي أي مكان أو زمان، لأن علمه محيط بكل شيء. "وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" . فهو سبحانه - الذي يرعاه ويحفظه، (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) : والمقصود بـ "المعقبات" هم الملائكة الذين يتعاقبون في حفظ الإنسان من أمامه ومن خلفه بأمر الله، الذين يحفظون الإنسان من المصائب بأمر الله حتى يأتي قدره. وسميت معقبات لأن بعضهم يعقب بعضاً. والمعنى : إن لكل من أسر ومن جهر ولكل من استخفى ومن ظهر معقبات من الملائكة. كما أن هذا الحفظ يحتمل أن يراد به حفظ أعماله، و حفظ نفسه وحراسته من الآفات، ﴿ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ أي معقبات من أجل أمر الله - أي هو الذي أمرهم بحفظه، وقيل: يتعلق به على أنهم يحفظونه من عقوبة الله - إذا أذنب بدعائهم واستغفارهم له.
فالآية الكريمة تتناول موضوع الحفظ الإلهي للإنسان وحكمة التغيير الذاتي، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ) : من العافية والنعم ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بالمعاصي، فيقتضي ذلك أن الله لا يسلب النعم، ولا يترك النقم إلا بالذنوب. وهنا يشير إلى سنة إلهية ثابتة، حيث إن التغيير الخارجي في حال الإنسان لا يحدث إلا إذا كان هناك تغيير داخلي في إيمانه وسلوكه. وأن الله لا يغيّر حال قوم من نعمة أو مصيبة حتى يغيروا ما في أنفسهم من حال الإيمان أو الطاعة. وأن الله لا يغيّر من حال الإنسان أو الجماعة من نعمة إلى نقمة أو العكس إلا عندما يغيرون حالهم الداخلية، مثل الانتقال من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية. وذلك كقوله تعالى: " ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " ويشير إلى أن الله - يبتلي الإنسان بقدر ما يغير من نفسه. (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) : وهذا يؤكد على أنه إذا جاء أمر الله - بالسوء، فلا أحد يستطيع أن يدفعه أو يرده. (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ). تبلى السرائر : أي تخرج مخبآتها وتظهر ، وهو كل ما كان استسره الإنسان من خير أو شر ، وأضمره من إيمان أو كفر.
الخلاصة:
إن الله تعالى - يرعى الإنسان في كل أطوار حياته، بدءاً من لحظة تكوينه في رحم أمه، ويجعل من الملائكة من يحفظونه بأمره سبحانه - حتى يحين الأجل، وهو سبحانه - يعلم كل دقائق أحواله ما ظهر منها وما بطن، وكل شيء قدره تقديراً، وأن التغيير في حياة الإنسان أو المجتمع لا يحدث إلا عندما يحدث تغيير داخلي في العقيدة أو السلوك. والله تعالى - لا يبدل نعمة أو يرسل بلاءً إلا إذا غيّر الناس ما في أنفسهم، وهذه سنة إلهية ثابتة.

أضف تعليقك...