• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الثلاثاء 2026-02-17

الآيات (12-15) سورة الرعد، اللقاء (08)

تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 91
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات (12-15) سورة الرعد، اللقاء (08)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩}.

سورة الرعد تدور حول إثبات قدرة الله تبارك وتعالى ووحدانيته من خلال دلائل الكون والمخلوقات.

وهاتان الآيتان تكملان السلسلة المتصلة ببيان ذلك، وتركّزان على الفرق بين الدعاء لله وحده ودعاء غيره من المعبودات الباطلة، بالإضافة إلى إثبات أحقية السجود والطاعة لله وتتماشى مع موضوع السورة الأساسي، وهو بيان عظمة الله في الطبيعة وظواهرها، مثل البرق والرعد والسحاب، كأدلة على قدرته المطلقة، ولتؤكد على أن الله تعالى هو فقط الذي يستحق الدعاء والعبادة، وأن من يدعون غيره فهم في الحقيقة لا يحصلون على شيء، وتُعلم الإنسان أن الله هو المعبود الحق، وأن كل شيء في الكون يسجد له طوعًا أو كرهًا، مما يدفع نحو تعزيز التوحيد والخضوع التام لله سبحانه وتعالى.

{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}: تعْداد الحُجَجِ الواحِدَة تلْو الأُخْرى، إذ جَعَلَ البَرْقَ آيَة نِذارَة وبِشارَة مَعًا. وإنْشاءُ السَّحابِ: تَكْوِينُهُ مِن عَدَمٍ بِإثارَةِ الأبْخِرَةِ الَّتِي تَتَجَمَّعُ سَحابًا. وعَطَفَ الرَّعْدَ عَلى ذِكْرِ البَرْقِ والسَّحابِ لِأنَّهُ مُقارِنُهُما في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ. ولَمّا كانَ الرَّعْدُ صَوْتًا عَظِيمًا جَعَلَ ذِكْرَهُ عِبْرَةً لِلسّامِعِينَ. {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}: كل المخلوقات تُسبح الله تسبيحًا فعليًا، سواء فهمه الإنسان أو لم يفهمه. وهذا يستند إلى قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} مما يدل على أن كل الكائنات تسبح الله بطرق لا يدركها البشر. والرعد كغيره من المخلوقات، يسبح الله بحمده بشكل حقيقي، وإن كنا لا نفقه كيفية تسبيحه. وبناءً على هذا، فإن صوت الرعد علاوة على أنه مجاز عقلي للتعبير عن عظمة الله تعالى الظاهرة في هذا الصوت المهيب. فقد يكون كذلك تعبيرًا عن تسبيحه الفعلي لله سبحانه وتعالى، والباءُ في (بِحَمْدِهِ) مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى اقْتِرابِ نُزُولِ الغَيْثِ وهو نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ. والمَلائِكَةُ: عَطْفٌ عَلى الرَّعْدِ، أيْ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ: أيْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ لِأجْلِ الخَوْفِ مِنهُ، أيِ الخَوْف مِمّا لا يَرْضى بِهِ وهو التَّقْصِيرُ في تَنْزِيهِهِ. والمعنى: هو أنَّ التَّنْزِيهَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ الجَوِّ يَقُومُ بِهِ المَلائِكَةُ، فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَنْزِيهِكم إيّاهُ، أيها الكافرون، وذلك كَقَوْلِهِ: {إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} وقَوْلِهِ: {وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} واقْتُصِرَ في العِبْرَةِ بِالصَّواعِقِ عَلى الإنْذارِ بِها لِأنَّها لا نِعْمَةَ فِيها؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ حاصِلَةٌ بِالسَّحابِ، وأمّا الرَّعْدُ فَآلَةٌ مِن آلاتِ التَّخْوِيفِ والإنْذارِ، وذلك كقوله: {أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ} وكقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الشمسَ والقمرَ لا يَنكَسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، ولكنهما آيتانِ من آيات اللهِ، يخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه، فإذا رأيتُم ذلك، فصلُّوا وادعُوا حتى ينكشِفَ ما بكم)، يخوِّفُ اللهُ عبادَه بِكُسُوفِهِما فاقْتَصَرَ في آيَتِهِما عَلى الإنْذارِ، إذْ لا يَتَرَقَّبُ النّاسُ مِن كُسُوفِهِما نَفْعًا. وفي الآية إظهار للعظمة والقدرة الإلهية في الطبيعة: فهو سبحانه الذي يظهر البرق، وهو ظاهرة مهيبة تجلب الشعور بالخوف والرهبة من عقاب محتمل، والطمع في نزول المطر والرحمة، مظهرًا شعورًا مزيجًا من الرهبة والرجاء، ثم يكوّن السحاب المحمّل بالمطر، الذي يسهم في حياة الأرض وإحياء الزرع والمخلوقات. وفيها إظهار حقيقة التسبيح من جميع المخلوقات والرهبة من الله: فالرعد، الذي يُسمع بصوته القوي، يُسبّح بحمد الله وفيه تعبير عن القوة والعظمة، وهو أيضًا مثال على الخوف والخشوع أمام قدرته. كما أن الملائكة تسبح بخوف ورهبة من الله.

{وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}: الصواعق: من أعظم الظواهر الطبيعية وأكثرها هيبة ورعبًا، يرسلها الله عز وجل لتصيب من يشاء كعقاب أو إنذار. وهذا يبرز جانب القدرة الإلهية الهائلة في الانتقام والحماية، حيث قد يعاقب أو يرعب بها من يجادل في وجوده أو يتحداه، والمَعْنى: وهو شَدِيدُ المِحَالِ، أيْ قَوِيُّ الحُجَّةِ. مما يوضح أن الجدال في قدرة الله لا يجدي، لأن الله تعالى هو القوي الذي لا يُقاوَم.

{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّۚ}: قيل: هي لا إله إلا الله، والمعنى أن دعوة العباد بالحق لله ودعوتهم بالباطل لغيره، والله تعالى وحده هو الذي يستحق أن يُدعَى ويُعبَد، ودعوته هي الحق، والدعاء له وحده يستجاب؛ فهو القادر على تلبية طلبات العباد. {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}: يعني بالذين: ما عبدوا من دون الله من الأصنام وغيرهم، والضمير في يدعون للكفار، والمعنى أن المعبودين من دون الله من الأصنام أو المعبودات الباطلة، لا يستجيبون لمن عبدهم، ولا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا، والمثال الذي يعطى هنا هو بسط الكفَّين إلى الماء ليصل إلى الفم، وهي صورة عبثية تدل على عدم إمكانية تحقّق الفائدة من دعاء غير الله، إذ شبَّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفيه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يمكن أن يبلغ فمه بهذه الطريقة أبدًا؛ لأن الماء جماد لا يعقل المراد، فكذلك الأصنام، والضمير في قوله: وما هو أي: الماء، وببالغه أي: للفم. {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}: دعاء الكافرين لغير الله أو تحديهم لله لا فائدة منه، فهو دعاء ضائع ولا يحقق أي شيء. وهذا تذكير بأن ما يفعله الكافرون من عبادة غير الله أو الشرك لا يؤدي إلى شيء.

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}: "مَن" لا تقع إلا على من يعقل، فهي هنا يراد بها الملائكة والإنس والجن، فإذا جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله وقضائه؛ فهو عام في الجميع: من شاء منهم ومن أبى، ويكون طوعًا لمن أسلم وكرهًا لمن كره وسخط، وإن جعلنا السجود هو المعروف بالجسد، فيكون لسجود الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن طوعًا، وأما الكره فهو سجود المنافق، وظلال الكافر، أو خضوع جوارحه لربّها رغمًا عنه، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} والمقصود: هو أن كل مخلوقات الكون تسجد لله سواء طوعًا برغبتها وإيمانها، أو كرهًا تحت حكمه وسلطانه سبحانه وتعالى {وَظِلَالُهُم}: معطوف على "مَن" والمعنى أن الظلال تسجد غدوة وعشية، وسجودها انقيادها للتصرف بمشيئة الله {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}: في الصباح والمساء، إما بحركة الظل، أو بكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه مما يثبت أن كل شيء في هذا الكون خاضع لله سبحانه وتعالى.

من مغازي الآيات: هذه الآيات تدعو الإنسان للتأمل في ظواهر الطبيعة وربطها بقدرة الله وحكمته، مما يعزز الإيمان ويزرع الخشوع في قلب المؤمن.

ذكر الصواعق والتحذير من الجدال في قدرة الله عز وجل يدعو الإنسان إلى الاتعاظ والتفكر في عواقب إنكار الحقيقة الإلهية، وبأهوال يوم القيامة.

البرق والسحاب يُظهران أن الله يجمع بين الرحمة والقوة، مما يدفع الإنسان للتفاؤل برحمة الله واللجوء إليه.هذه الآيات تذكّر الإنسان بأن الله وحده هو القادر على الاستجابة لدعائه، وأن اللجوء لغيره باطل ولا يجدي نفعًا.

التأمل في السجود والخضوع: تفتح الأفق للتفكر في أن كل مخلوق خاضع لله بطرق مختلفة، حتى الظلال التي تمثل جزءًا من حركة الكون هي كذلك تسجد لله.

وكذلك دعوة الإنسان للتفكر في عبثية عبادة غير الله أو اللجوء إلى المخلوقات، وهي دعوة للعقل ليعود إلى الحق ويتجنب الضلال.

ختامًا، هذه الآيات تجمع بين الخوف والرجاء، وتحث الإنسان على التأمل في دلائل الكون لتقوية إيمانه والاستعداد للعاقبة سواء كانت خيرًا أو شرًا.

فائدة: في رأيي: إذا ما جزمنا بأن صوت الرعد هو التسبيح، فإنه يجوز لنا أيضًا القول بأن أصوات الحيوانات، وأصوات الماء، وأصوات الأشجار وغيرها هي تسبيح كذلك. وبما أن هناك مخلوقات ليس لها صوت في حين أنها تسبح الله تعالى إذًا فالصوت شيء والتسبيح شيء آخر، فصوت الرعد هو نفسه الرعد، ولولا الصوت لما عرفنا الرعد.

وهو إحدى آيات الله الكونية التي تذكرنا بعظمته، كما قد يذكّرنا بصوت النفخ في الصور يوم القيامة، أما عن كيفية تسبيح هذا الصوت الذي هو الرعد، فهي كبقية المخلوقات غير المكلفة من الإنس والجن. "لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى" ولكن البشر لا يدركون كيفية هذا التسبيح أو طبيعته. والله أعلم.

أضف تعليقك...

  • 69998 زيارات اليوم

  • 61231675 إجمالي المشاهدات

  • 3114768 إجمالي الزوار