الثلاثاء 2026-06-09
الآية (24) من سورة يونس، اللقاء (12)
تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
مقصد الآية: تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله {مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ} كالزرع والفواكه {وَالْأَنْعَامُ} يعني: المرعى التي ترعاها من العشب وغيره {أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا} تمثل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب {قَادِرُونَ عَلَيْهَا} أي متمكنون من الانتفاع بها والسيطرة عليها {أَتَاهَا أَمْرُنَا} أي بعض الجوائح كالريح، والصر، وغير ذلك، وكلمة الصّر: غالبًا ما تُشير إلى البرد القارس أو الصوت الشديد، خصوصًا عند الحديث عن الرياح في القرآن. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا} أي جعلناها كالزرع بعد حصاده، كناية عن فنائها {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} أي كأن لم تنعم ولم توجد.
فالآية تُبرز حقيقة الدنيا الفانية وزوالها المفاجئ مهما بلغت زينتها، وتدعو الإنسان إلى التفكر في عاقبة الأمور والاستعداد للآخرة بدلًا من الاغترار بزخرف الدنيا.
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: يُشبّه الله تعالى الحياة الدنيا بحالة مادية ملموسة ليتضح للإنسان حقيقتها الفانية. {كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ}: الماء هنا يمثل مصدر الحياة الذي ينبت الأرض ويمثل النعم الدنيوية. {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ}: يشير إلى النعم التي تظهر وتزدهر في الدنيا من زراعة وثمار ينتفع بها الناس والأنعام. {حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ}: أي عند اكتمال النعم والترف، حيث تبدو الأرض جميلة مزدهرة بزينة الحياة الدنيا وزخرفها. {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا}: أي حين يعتقد الإنسان أن السيطرة على هذه النعم بيده وأنها باقية. {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا}: يبيّن الله عز وجل كيف تأتي إرادته وينفذ قدره فجأة، سواء بالليل أو النهار، فيدمر هذه النعم دون سابق إنذار. {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا}: تصبح الأرض كأنها محصودة خالية من كل زينة وخضرة. {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ}: أي تختفي زينة الأرض كأنها لم تكن موجودة من قبل. {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} الله تعالى يوضح هذه الأمثلة ليُبرز حقائق الدنيا. وسننه في الكون والخلق، فلا شيء يدوم من متاع هذه الدنيا {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. لذا ينبغي على الإنسان العاقل أن يجمع من متاعها بما يرضي الله، وينفقه فيما يرضي الله تعالى من المباحات وبما أمر به الله. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: يدعو الله الناس إلى التفكر والتدبر ثم التأمل في هذه الأمثال لفهم حقيقة الحياة الفانية. قيل: شبه الله تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في مكان، وكذلك الدنيا لا يستقر لها حال، والماء يزول وكذلك الدنيا زائلة، بعد أن يعتقد الناس ببقائها. فالحياة الدنيا مثل الزرع، تأخذ زينتها ثم تأتيها الأقدار فتهلكها، وهو تحذير من الاعتماد على زينتها دون الاستعداد للآخرة.
من مغازي الآية الكريمة وتطبيقاتها:
١- بيان حقيقة الدنيا: فالحياة الدنيا زائلة، ونعيمها مؤقت مثل النبات الذي يزدهر بماء السماء ثم يزول فجأة.
٢- الاعتبار بالعواقب: فالإنسان يجب أن يتذكر أن النعم الدنيوية ليست دائمة، وأن الله قادر على إنهائها في أي وقت.
٣- الدعوة للتفكر: الآية تحث على استخدام العقل للتأمل في مصير الدنيا والتفكير في الآخرة.
٤- التحذير من الغرور: الإنسان يُحذّر من الاغترار بزينة الدنيا وعلى ظنه أنه هو المسيطر والقادر عليها، بما آتاه الله من وسائل التمكين في الأرض، من صحة وقوة وأموال ومعدات وعلم وفهم وقدرة على الإنتاج والاختراع والحضارة المادية، لأن كل ذلك من فضل الله ورحمته بالعباد، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
أضف تعليقك...