• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأربعاء 2026-08-12

الهجر الجميل... قوةٌ بلا خصومة

  • تسجيل اعجاب 2
  • المشاهدات 483
  • التعليقات 0
  • Twitter
الهجر الجميل... قوةٌ بلا خصومة
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

يقول الله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}.

تكشف هذه الآية عن خُلُقٍ رفيع من أخلاق المؤمن، وعن منهج راقٍ في التعامل مع الأذى والمسيئين. فحين يشتد النقد، أو تكثر الكلمات الجارحة، أو يتعرض الإنسان للسخرية والاتهام، فإن أول ما يحتاج إليه هو الصبر؛ لأن ردود الأفعال المتعجلة كثيرًا ما تزيد المشكلات تعقيدًا.

ولهذا بدأ التوجيه الإلهي بقوله: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}. فالصبر هنا ليس استسلامًا للباطل، وإنما ثبات على الحق، وتحكم في النفس، ومنع لها من الانجرار وراء الغضب والانفعال.

ثم تأتي مرتبة أعلى من ذلك: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}. ولم يقل: اهجرهم فقط، بل وصف الهجر بأنه جميل. والهجر الجميل هو البعد عن الأذى دون ظلم، والإعراض عن السفه دون إساءة، وترك الخصومة دون حقد أو انتقام.

إن بعض الناس إذا أوذوا قابلوا الإساءة بمثلها أو أشد منها، واستنزفوا أعمارهم في المعارك الكلامية والردود المتبادلة. أما صاحب الهجر الجميل فإنه يدرك أن كرامته لا تحتاج إلى إثبات عند كل جدال، وأن وقته أثمن من أن يضيعه مع كل مستفز.

ومن أعظم مغازي الآية أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد، بل في القدرة على التحكم في النفس. فليس كل معركة تستحق أن تُخاض، وليس كل كلمة تستحق جوابًا، وليس كل خصومة تستحق استمرارًا.

وفي واقع الحياة، قد يواجه الإنسان من يسيء فهمه، أو يظلمه، أو يجرحه بكلمة. وهنا يكون الهجر الجميل أن يحفظ لسانه من الفحش، وقلبه من الحقد، وعقله من الانشغال بما لا ينفع. يبتعد عن مواطن الأذى، لكنه لا يحمل روح الانتقام، ويترك الجدال العقيم، لكنه لا يترك أخلاقه.

إن الهجر الجميل ليس ضعفًا، بل صورة من صور النضج الإيماني والنفسي. فهو يعلم الإنسان أن بعض الأبواب لا تُغلق بالصراخ، وإنما بالتجاوز، وأن بعض الجروح لا تُشفى بالانتقام، وإنما بالإعراض والصبر.

فالسعيد من رزقه الله قلبًا واسعًا، ونفسًا صابرة، وحكمةً تجعله يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، ومتى يقترب ومتى يبتعد.

ومن عمل بهذه الآية عاش أكثر راحةً وطمأنينة، لأنه لم يجعل حياته رهينةً لكل ما يقوله الناس، بل جعلها متجهةً إلى ما يرضي الله وينفعه في دنياه وأخراه.

أضف تعليقك...

  • 36108 زيارات اليوم

  • 118488864 إجمالي المشاهدات

  • 3276478 إجمالي الزوار