الجمعة 2026-08-14
الآيات 78 - 80 سورة التوبة، اللقاء، (27)
تأمّلات في مغزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 78 الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 79 اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 80﴾
في الآية (78) تذكير بأن الله تعالى - محيط بكل شيء، يعلم السر والعلن، مما يستوجب على الإنسان تصحيح نيته، والابتعاد عن النفاق والخداع، والسير في طريق الاستقامة. وفيها تحذير للمنافقين الذين يخفون ما في قلوبهم، حيث يعلم الله سرهم وعلانيتهم، ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم مما يسرونه أو يتناجون به، فلا فائدة من تآمرهم أو نفاقهم، لأن الله محيط بهم. وهو تحذير لمن يظن أن أعماله تخفى على الله. والآية تعزز اليقين برقابة الله تعالى - على العباد، وتذكّرهم بأن الله يعلم خفاياهم، مما يجعل الإنسان أكثر تقوى، وهو من كمال علم الله، فهو يعلم ما يدور في الصدور، وهذا يستوجب على العبد الحذر من النفاق والخداع.
والآية (79) تحذر من السخرية بأهل الصدقة والعمل الصالح، لأن ذلك من صفات المنافقين، ولأن الله تعالى - يسخر ممن يسخر بعباده المخلصين، ويعاقبهم بعذاب أليم. ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ﴾ نزلت في المنافقين حين تصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، فقالوا: ما هذا إلا رياء. وأصل المطوعين المتطوعين، والمراد به هنا من تصدق بكثير ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ هم الذين لا يقدرون إلا على القليل فيتصدقون به، نزلت في أبي عقيل تصدق بصاع من تمر، فقال المنافقون: إن الله غني عن صدقة هذا ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ أي يستخفون بهم ﴿سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ﴾: وسخرية الله منهم ليست كهيئة سخرية البشر، بل هي جزاء عادل ومهين يُريهم فيه باطلهم، ويقلب سخريتهم حسرة عليهم، فهي سخرية الحق من الباطل، وسخرية القدرة من الضعف، وسخرية العدل من الظلم، فالمنافقون كانوا يعيبون المؤمنين الذين يتصدقون بأموالهم، سواء الأغنياء الذين يخرجون الكثير، أو الفقراء الذين لا يجدون إلا القليل، فمن تصدق بالكثير قالوا إنه يرائي، ومن تصدق بالقليل احتقروه، فكان جزاؤهم أن يعاملهم الله بمثل فعلهم. فاستحقوا أن يسخر الله منهم جزاء سخريتهم؛ لأنهم احتقروا العمل الصالح بدلًا من تقديره. والآية تدل على أن المنافقين لا يعجبهم أي خير يصدر من المؤمنين، بل يحاولون تثبيطهم بكل وسيلة. وفي هذا بيان بأن السخرية من أهل الخير، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، جريمة يعاقب عليها الله، فجعل عقوبتهم السخرية منهم في الدنيا والعذاب في الآخرة.
أما الآية (80) فتبين أن الله لا يغفر للمنافقين مهما استغفر لهم النبي ﷺ، لأنهم كفروا بالله ورسوله، وأن المغفرة مشروطة بالإيمان والتوبة، ومن أصر على الكفر والنفاق فلن يكون له نصيب من هداية الله ومغفرته - والعياذ بالله - ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يحتمل معنيين. أحدهما: أن يكون لفظه أمرًا، ومعناه: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، كما جاء في سورة المنافقين، والآخر: أن يكون تخييرًا، كأنه قال إن شئت فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح لقول رسول الله ﷺ: إن الله خيرني فاخترت، وذلك حين قال عمر: أتصلي على عبد الله بن أبيّ وقد نهاك الله - عن الصلاة عليه؟ ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ذكرها على وجه التمثيل للعدد الكثير. والآية تدل على أن استغفار النبي ﷺ لهم لا ينفع، لأنهم كفروا بالله ورسوله، فاستحقوا غضب الله وعذابه. وهذه الآية جاءت تأكيدًا لحكم الله على المنافقين، وأن الكفر هو سبب عدم قبول الاستغفار لهم، لأنهم فاسقون لا يستحقون المغفرة، وأن الله لا يهدي من أصر على الكفر والعناد. ولأن المغفرة مشروطة بالتوبة والإيمان.
"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا".
من مغازي الآيات وتطبيقاتها:
١- تقوية الإيمان بمراقبة الله تعالى - في السر والعلن، وعدم الانخداع بالمظاهر. وترك النفاق والرياء، لأن الله يعلم حقيقة القلوب. والتحلي بالإخلاص، لأن الله يجازي الإنسان على نواياه وليس فقط على ظاهره. والحرص على أن تكون السريرة نقية، لأن الله يعلم كل ما نخفيه.
٢- تجنب السخرية من أهل الخير، مهما كان عطاؤهم قليلًا أو كثيرًا. ودعم المبادرات الخيرية بدلًا من تثبيط أصحابها. وإدراك أن الله تبارك وتعالى - يقبل العمل الصالح مهما كان بسيطًا إذا كانت النية صادقة. والتحذير من الاستهزاء بالمخلصين، لأن ذلك يعرض صاحبه لسخط الله.
٣- الحذر من النفاق والكفر، لأنهما سبب في حرمان الإنسان من المغفرة. وإدراك أن المغفرة مشروطة بالإيمان والتوبة الصادقة. وعدم الاستغفار لمن ثبت كفره ونفاقه وعاند الحق.
٤- التأكيد على أن الله تعالى - لا يهدي من أصر على الفسق والكفر والنفاق.
فائدة:
لَمّا ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، دُعِيَ له رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليُصلِّيَ عليه، فلمّا قام رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَثَبْتُ عليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، تُصلِّي على ابنِ أُبَيٍّ، وقد قال يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟! أُعَدِّدُ عليه؛ فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال: أَخِّرْ عنِّي يا عمرُ، فلمّا أَكْثَرْتُ عليه قال: إنِّي قد خُيِّرْتُ فاخترْتُ، فلو علِمْتُ أنِّي لو زِدْتُ على السَّبعينَ غُفِرَ له، لَزِدْتُ عليها، فصلّى عليه رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ انصرَفَ، فلَمْ يمكُثْ إلّا يسيرًا، حتّى نزلَتِ الآيتانِ مِن براءةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (أخرجه النسائي).
أضف تعليقك...