-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
هذا الحديث من أعظم ما يبعث الرجاء في قلب المؤمن، لأنه يكشف أن المحبة ليست شعورًا عابرًا، بل رابطةٌ إيمانية تصل بين الأرواح في الدنيا، وتجمع بينها في الآخرة. وكلما ازداد يقين المؤمن، ارتقى في حقيقة هذه المحبة.
1- علم اليقين:
يعلم المؤمن أن الله يجمع يوم القيامة كل إنسان بمن أحب، فيحرص أن تكون محبته لله، ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين الصالحين، لا لأهل الباطل والفساد.
ويعلم أن المحبة الصادقة تقتضي الاتباع، وليست مجرد دعوى باللسان.
فيقول: أحب الصالحين؛ لأنني أعلم أن المرء مع من أحب.
2- عين اليقين:
ثم يرى آثار هذه الحقيقة في حياته؛ فيجد أن الإنسان يتأثر بمن يحب، فيقتدي بأخلاقه، ويقلد أقواله، ويتبنى قيمه، ويأنس بمجالسه.
فيرى أن المحبة قوةٌ خفية تصنع الشخصية، وأن القلب يسير خلف محبوبه قبل أن تسير الجوارح.
فيوقن أن الحديث لا يتحدث عن الآخرة وحدها، بل يبدأ أثره في الدنيا قبل الآخرة.
3- حق اليقين:
ثم يبلغ مقامًا تصبح فيه محبة الله ورسوله ﷺ أحبَّ إليه من نفسه وماله والناس أجمعين، ويحب الصالحين لطاعتهم لله، وإن قصر عن منزلتهم.
فيجاهد نفسه على التشبه بهم، ويفرح بطاعتهم، ويحزن لمعصيتهم، ويجعل ولاءه وبراءه تابعين لمحبة الله.
ثم إذا وقف يوم القيامة، ورأى أهل الإيمان مجتمعين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، علم أن المحبة الصادقة لم تكن أمنية، بل كانت طريقًا إلى تلك الرفقة المباركة، فيبلغ حق اليقين بمعنى قول النبي ﷺ: "المَرْءُ مع مَن أحَبَّ".
وخلاصة المراتب:
علم اليقين: أعلم أن الإنسان يُحشر مع من أحب، فأختار محبتي لله ورسوله ﷺ والصالحين.
عين اليقين: أرى أن المحبة تُشكّل الأخلاق والسلوك، فأحرص على صحبة من يقربني إلى الله.
حق اليقين: أعيش هذه المحبة اتباعًا وولاءً واقتداءً، حتى أرجو أن يجمعني الله بمن أحببت في دار كرامته. ثم يرى أثر المحبة قبل أن يرى ثوابها؛ فيجد أن القلب يتشكل على صورة محبوبه، وأن الأرواح تتقارب قبل أن تجتمع يوم القيامة. وهكذا تنتقل المحبة من علمٍ يعرفه العقل، إلى أثرٍ يراه المؤمن في نفسه وحياته، ثم إلى حقيقةٍ يعيشها بقلبه وجوارحه، حتى تكون محبته لله ورسوله ﷺ والصالحين سببًا في حسن الصحبة في الدنيا، والرفقة المباركة في الآخرة.
أضف تعليقك...