-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
ليس كل صمتٍ حياءً... وليس كل جرأةٍ قوة.
لأن بعض الفتيات يخلطن بين الخُلُق الجميل وبين التردد الذي يمنعهن من أن يكنَّ أنفسهن.
من أجمل الصفات التي تتزين بها الفتاة صفة الحياء. فهو خُلُق رفيع، وزينة للنفس، وعلامة على رقة القلب ونقاء الفطرة. وقد كان الحياء من أخلاق الأنبياء والصالحين، وهو ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل قيمة داخلية تجعل الإنسان يراقب تصرفاته وكلماته، ويبتعد عما لا يليق به.
لكن بعض الفتيات يقعن في خلطٍ شائع بين الحياء وبين ضعف الشخصية.
فتظن إحداهن أنها كلما سكتت عن حقها كانت أكثر حياءً.
وكلما عجزت عن التعبير عن رأيها كانت أكثر أدبًا.
وكلما قبلت ما لا تريده كانت أكثر احترامًا للآخرين.
ومع مرور الوقت قد تتنازل عن أشياء كثيرة في حياتها وهي تظن أنها تمارس الحياء، بينما هي في الحقيقة تمارس نوعًا من التردد أو الخوف أو ضعف الثقة بالنفس.
والفرق بين الحياء وضعف الشخصية فرق كبير.
فالحياء قوة أخلاقية.
أما ضعف الشخصية فهو عجز عن التعبير أو المواجهة.
الحياء يجعل الفتاة تختار كلماتها بعناية.
أما ضعف الشخصية فيجعلها تخاف من الكلام أصلًا.
الحياء يمنعها من الوقوع فيما لا يليق.
أما ضعف الشخصية فيمنعها أحيانًا حتى من المطالبة بحقوقها المشروعة.
والحياء لا يلغي الشخصية، بل يهذبها.
فالفتاة الحيية تستطيع أن تقول "لا" إذا لزم الأمر.
وتستطيع أن تدافع عن حقها بأدب.
وتستطيع أن تعبّر عن رأيها باحترام.
وتستطيع أن ترفض الخطأ دون إساءة.
أما الفتاة التي تعاني من ضعف الشخصية فقد توافق على أمور لا تريدها خوفًا من رفض الآخرين لها، أو خشية من النقد، أو هربًا من المواجهة.
وفي مرحلة الناشئة يظهر هذا الخلط كثيرًا.
فقد تُسأل الفتاة عن رأيها فتقول: "لا أعرف"، رغم أن لديها رأيًا واضحًا.
وقد تتعرض لموقف يزعجها فلا تعترض.
وقد تتحمل ما فوق طاقتها لأنها لا تستطيع الاعتذار أو الرفض.
وقد تسكت عن حقها حتى تشعر بالظلم والحزن.
ثم تفسر ذلك كله على أنه حياء.
مع أن الحياء لا يطلب من الإنسان أن يلغي نفسه.
بل إن الشخصية المتزنة هي التي تجمع بين الأدب والثقة، وبين الاحترام والوضوح.
ومن المهم أن تعرف الفتاة أن الإسلام لم يربِّ النساء على الضعف، بل رباهن على الحياء مع القوة، وعلى العفة مع الثبات، وعلى الأدب مع وضوح الموقف.
فكم من امرأة عظيمة في التاريخ كانت مثالًا للحياء، وفي الوقت نفسه مثالًا للحكمة والشجاعة وحسن التعبير.
ولهذا فإن من علامات الشخصية المتوازنة أن تستطيع الفتاة التعبير عن احتياجاتها ومشاعرها بطريقة محترمة.
أن تقول رأيها دون تعالٍ.
وأن ترفض ما لا يناسبها دون قسوة.
وأن تدافع عن نفسها دون عدوان.
وأن تحافظ على حيائها دون أن تتنازل عن كرامتها.
كما أن بناء الثقة بالنفس يساعد على فهم الحياء فهمًا صحيحًا.
فكلما عرفت الفتاة قيمتها، أصبحت أقدر على التمييز بين اللطف والضعف، وبين التواضع والتنازل، وبين الحياء والخوف.
واسألي نفسكِ:
هل أصمت لأن الموقف لا يحتاج إلى كلام، أم لأنني أخاف من ردود أفعال الآخرين؟
هل أتنازل عن حقي اختيارًا وحكمة، أم عجزًا عن المطالبة به؟
هل أمارس الحياء، أم أختبئ خلفه لأتجنب المواجهة؟
فهذه الأسئلة تساعد على رؤية النفس بوضوح أكبر.
وفي النهاية...
الحياء تاج جميل على رأس الشخصية القوية، وليس ستارًا يخفي خلفه الخوف والتردد.
فكوني حييةً في أخلاقكِ، وكلماتكِ، وتصرفاتكِ، لكن كوني أيضًا واثقة بنفسكِ، مدركة لقيمتكِ، قادرة على التعبير عن رأيكِ والدفاع عن حقوقكِ بالحكمة والاحترام.
وتذكري أن أجمل الشخصيات ليست الأكثر صخبًا، ولا الأكثر خجلًا، بل تلك التي تعرف متى تتكلم، وكيف تتكلم، ولماذا تتكلم.
فالحياء الحقيقي لا يصنع فتاةً ضعيفة، بل يصنع فتاةً راقية؛ قوية في مبادئها، ثابتة في قيمها، لطيفة في أسلوبها، عزيزة في نفسها، تمشي بين الناس بأدبٍ يرفعها، وثقةٍ تحفظ لها كرامتها ومكانتها.
أضف تعليقك...