-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
توضح الآية أن الغنائم تُقسَّم وفق تشريع إلهي، حيث يُخصص خمسها لله تعالى - والرسول ﷺ وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما تذكّر المؤمنين بنصر الله يوم غزوة بدر الكبرى، ليزدادوا إيمانًا وثقة بأن النصر من عنده. والدرس المستفاد هو أن الإسلام ينظم توزيع الأموال بعدل، ويؤكد أن الفضل كله من الله.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ لفظه عام، لأن الأموال التي تؤخذ من الكفار منها ما يخمس: وهو ما أخذ على وجه الغلبة بعد القتال، ومنها: ما لا يخمس بل يكون جميعه لمن أخذه، وهو ما أخذه من كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدو خوف الغرق، والإيجاف: هو كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (الحشر: 6) يعني الإسراع في السير، يقال: أوجف على الخيل: أي أسرع بها في القتال أو الغزو، ويُقصد به هنا أن المسلمين لم يبذلوا جهدًا كبيرًا أو يخوضوا قتالًا شاقًّا بالخيل أو الإبل للحصول على هذه الغنائم، وإنما وهبها الله لهم بدون معركة، كما حدث في غنائم بني النضير التي استسلموا فيها دون قتال.
ولا ركاب: أي لم يسيروا بالإبل لنيل هذه الغنيمة عن طريق المعركة، والمعنى في هذا السياق: أن هذه الأموال التي حصلوا عليها لم تكن نتيجة معركة تقليدية، بل كانت فيئًا، أي أموالًا أخذت بدون قتال، فصار الحكم فيها مختلفًا عن الغنائم التي تؤخذ بالسيف - ومنها: ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح المسلمين وهي الفيء الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية: "وللعلماء اجتهاداتهم في تحديد الأصناف الذين يُعطوا من هذا الخمس، ولمن أراد معرفتها عليه الرجوع إلى الكتب الفقهية ".
﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾ راجع لما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذكر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسب ذلك ولا تخالفوه ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ يعني النبي ﷺ والذي أنزل عليه القرآن والنصر ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي التفرقة بين الحق والباطل وهو يوم بدر ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يعني المسلمين والكفار.
وهذه الآية تحدد حكم الغنائم التي يحصل عليها المسلمون في القتال، حيث يفرض الله إخراج الخُمس منها وتوزيعه على ستة أصناف: لله تعالى - أي في مصالح المسلمين العامة - وللرسول صلى الله عليه وسلم - وذوي القربى - أي أهل بيت النبي ﷺ - واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. والله تعالى - يُلزم المسلمين بتخصيص خمس الغنيمة لهذه الفئات، وهذا الحكم مرتبط بشرط الإيمان الحقيقي بالله واليوم الآخر، وهذه الآية هي الأساس في تقسيم الغنائم، وحكم الخمس المذكور واجبٌ في كل غنيمة يأخذها المسلمون من قتال الأعداء.
والآية تحدد مبدأً اقتصاديًا في الإسلام، وهو توزيع الغنائم بطريقة عادلة تخدم مصالح المجتمع، وليس لاحتكارها من قبل القادة أو الأغنياء.
والآية تمثل تشريعا عادلا لحفظ التوازن الاجتماعي، حيث تُصرف الغنائم في أوجه الخير، وتُذكر المؤمنين بفضل الله تعالى - عليهم في يوم غزوة بدر، ليكون ذلك دافعًا لهم للشكر والثبات على الدين، كما أن ذكر "يوم الفرقان" يشير إلى أهمية هذا التشريع الذي جاء بعد انتصار المسلمين في بدر. حيث نصرهم رغم قلة عددهم.
(وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): توكيد قدرة الله تعالى - المطلقة على كل شيء، فهو المتصرف في الكون كيف يشاء، ولا يعجزه شيء، سواء في النصر، أو الرزق، أو الحكم بين عباده، وهي بيان للمؤمنين بأن الله هو الذي يمنحهم القوة والعون، ويُجري الأمور بحكمته وقدرته.
الخلاصة الجامعة لمغزى الآية:
تُقرّر الآية نظام توزيع الغنائم في الإسلام، مؤكدة أن خمسها يُخصص لله ورسوله وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وتربط ذلك بشرط الإيمان الصادق بالله والوحي الذي نزل يوم الفرقان، يوم بدر، الذي فُصل فيه بين الحق والباطل.
فالمغنم ليس مجرد مال يُقتسم، بل هو أمانة تُصرف وفق شرع الله، ودليلاً على الإيمان، وتحت سلطان الله القادر على النصر والتمكين. فالمال في الإسلام ليس غنيمة منفلتة، بل أمانة تُوزَّع بعدل إلهي، والمغانم ليست غاية الجهاد، بل وسيلة لتثبيت دعائم المجتمع المؤمن، والإيمان هو الميزان في ذلك كلّه.
وقفات تأمّلية:
قبل الإسلام، لم يكن هناك نظام موحّد لتقسيم الغنائم، فكان توزيع الغنائم بين العرب يعتمد على القوة والسيطرة دون وجود نظام عادل، حيث كانت الغنائم تُوزَّع وفق رغبة زعيم القبيلة أو قائد الجيش، فيستأثر بالأفضل منها لنفسه ويمنح بقية المحاربين نصيبًا أقل.
كما كان القوي يأخذ النصيب الأكبر، بينما يكتفي الضعفاء أو الأتباع بما يُمنح لهم، إن مُنحوا شيئًا.
وفي بعض الأحيان، لم يكن هناك توزيع منظم، بل يأخذ كل شخص ما يستطيع حمله بعد انتهاء المعركة، وكانت الغنائم، خاصة السلاح والدواب، تُعتبر دليلًا على الشجاعة والمكانة الاجتماعية، وكان بعض القادة يحتفظون بها لتأكيد نفوذهم.
وإليكم بعض المصطلحات والأساليب التي استخدمها العرب آنذاك وتشمل:
١- "الأسلاب" – وهي ما يأخذه المقاتل مباشرةً ممن يقتله في المعركة، كالسلاح والدرع والفرس.
٢- "النفل" – وهو نصيب إضافي يعطيه القائد لبعض المقاتلين تمييزًا لهم، وعادةً يكون لمن أبدى شجاعة خاصة.
٣- "الصفايا" – وهي أفضل الغنائم التي يختارها القائد أو زعيم القبيلة لنفسه قبل التوزيع.
٤- "الجزور" – الغنائم التي تتعلق بالإبل والمواشي، وكانت تُوزَّع بحسب نفوذ الأفراد.
٥- "المغنم العام" – وهو ما يُجمَع من الغنائم بعد المعركة ويوزّعه القائد كيفما يشاء، دون قواعد ثابتة.
وعندما جاء الإسلام، ألغى هذه العشوائية ووضع نظامًا عادلًا، حيث قسّم الغنائم وجعل الخُمس منها لمصالح المجتمع، والباقي للمجاهدين، مما أنهى الفوضى والاحتكار، كما جاء بيانه في هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال.
أضف تعليقك...