-
بقلم / يمنى يوسف ابو سلامه
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030، قطعت وزارة الصحة شوطًا كبيرًا في أتمتة الخدمات عبر منصات رائدة مثل "صحتي". ومع ذلك، كشفت الممارسة القانونية في ساحات القضاء عن "ثغرة إجرائية" حرجة، تقع في المنطقة الرمادية بين التقنية والواقع الإداري، وهي فجوة "التقارير الطبية الصادرة من كيانات غير قائمة رقميًا".
المعضلة: عندما يمنح النظام "شرعية" للوهم تتمثل الإشكالية في ظهور تقارير طبية منسوبة لمراكز قد تكون "وهمية" أو "غير قائمة" على أرض الواقع، ولكنها لسبب أو لآخر، وجدت طريقًا للإدراج ضمن المنصة الرسمية للوزارة. هنا يبرز السؤال القانوني الجوهري: من المسؤول؟
من منظور "قانوني بحت"، يجد المواطن نفسه أمام مستند يحمل شعار الدولة ويظهر في تطبيق حكومي رسمي. وبناءً عليه، فإن مبدأ "الثقة العامة في المحررات الرسمية" يمنح هذا المستخدم "حسن النية" المطلق. فالمواطن ليس مطالبًا بالتحقق من ترخيص المركز الطبي إذا كانت منصة الوزارة قد قبلت إدراج تقريره؛ إذ إن المنصة هنا تلعب دور "الموثق" والضامن لصحة البيانات.
عجز البيروقراطية أمام ذكاء التزوير لقد أثبتت الوقائع القضائية أن "الترهل الإداري" وتعدد جهات الإشراف داخل المنظومة الصحية أدى إلى ضعف في "فلترة" المدخلات. هذا العجز عن كبح جماح التقارير المزوّرة لا يعود لضعف التقنية ذاتها، بل لآلية "إدارة الصلاحيات" ومنح حق الوصول للمنصة دون ربط عضوي وفعلي بالرخصة المهنية الحية والمستمرة للمركز الطبي.
الحل الاستراتيجي: حوكمة المصدر لا مراقبة المخرج
إن الخروج من هذه الفجوة لا يكون بمزيد من الرقابة الورقية، بل بتبني نموذج "الإشراف السيادي والتشغيل المسؤول". وهو المقترح الذي نراه كفيلًا بإنهاء هذه الظاهرة، ويتمثل في:
فك الارتباط التشغيلي: أن تكتفي الوزارة بدور "المشرف العام" على المنصة.
إلزامية الهوية الرقمية للكيان: تخصيص "أيقونة" مستقلة لكل مستشفى أو مركز طبي (عام أو خاص)، لا تفتح إلا برقم رخصة سارية المفعول.
تكريس مبدأ "المسؤولية المباشرة": بحيث لا يُقبل أي تقرير إلا إذا رُفع من خلال "اسم مستخدم" مرتبط قانونًا بالمركز الطبي، مما يجعل أي تزوير لاحق يقع تحت طائلة المسؤولية المباشرة للمركز، ويحمي "منصة صحتي" من أن تكون غطاءً لبيانات غير دقيقة.
خاتمة:
إن العدالة لا تستقيم إلا بوضوح المسؤوليات. والتحول الرقمي ليس مجرد نقل الورق إلى شاشات، بل هو "حوكمة" تضمن حماية المركز القانوني للمواطن والجهة الحكومية على حد سواء. إن سد هذه الفجوة التقنية هو حماية لهيبة المنصات الحكومية قبل أن يكون وسيلة لضبط التزوير.
أضف تعليقك...