-
بقلم / علي محمد قاسم
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
قابلني يوماً أحدُ المعارف من الشباب، فبادرني بهذا السؤال: أستاذ علي، أين ابتسامتك؟!
تفاجأت بالسؤال ووقفت حائراً، ما عرفت رد الإجابة، ثم تكلفت الابتسام، وأظهرت ابتسامة ما كادت تظهر، حملت معنى الجواب، والابتسامة لا تكون جميلة إذا كانت مصطنعة.
ثم رجعت أسأل نفسي السؤالَ نفسَه: أين ابتسامتك؟!
ألا يحق لي التفتيش عنها بداخلي؟ آه، ولكن ذلك يقتضي نكأ جروح أروم لها الاندمال، وأكافح الدهرَ من أجل علاجها، ولكنّ الدهرَ كأنه يأبى علي ما أريده وأسعى إليه، ويأبى علي إلا أن أُسمعه ما قاله أبوفراس الحمداني:
ووالله ما قصرتُ في طلب العلا ولكن كأن الدهرَ عني غافلُ
لا بأس فلكل إنسان قصة مع الدهر، معلومةٌ أو مجهولةٌ، حيناً يطويها الدهر، وحيناً ينشرها، وهي قصص منثورة على وجه الأرض، كأنها الغبارُ في كل محل ومكان، أو كأنها القبور لا يعلم ما تخفيه إلا علام الغيوب، ولا يعلم عددها إلا هو سبحانه.
إنه الدهر الذي يحمل القلوب على الشكوى، ولو كانت من أقوى القلوب وأشدّها خُلقا وعزما وفضلا، فهذا المتنبي يقول:
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةً فلا أشتكي فيها ولا أتعتب
أعاذنا الله من الشكوى، ولكن الدهر وإن اشتكاه الرجال فإنه لا يستطيع هزيمتهم ولا كسر إرادتهم، بل يزيدهم عَنَته صبراً وإقداماً، والدهر لا ينصف أحداً، بل الإنسان هو من ينصف نفسه.
أرجع للسؤال مجدداً: أين ابتسامتي؟! أين هي؟ أين ولت وأدبرت وفرت، في زحام الحياة، وضوضاء العالم؟ أليس من حقي أن أسأل نفسي وأفتش في سريرتي عنها، أحية هي أم اغتالتها أنياب الأمس، فما أظنه إلا هو الذي يمنعنا من الابتسام، الأمس الذي نحمله على ظهورنا فأثقل أرواحنا بكل ما فيه من خيبات وإخفاقات، وبشر سيئين مروا بحياتنا، وتجارب أليمة، أتعبت أنفسنا وما زال دخانها عالق بصدورنا وأعيننا، يؤذينا ويحجب عنا الهواء والرؤية، ولكي نسلى ونبتسمَ، يجب أن نسقطَ حسابات الأمس ونلقيها عن متننا ونلقى اليوم بصفحات بيض تقبل استقبال الجديد، وكل يوم يحمل لنا جديداً لو نظرنا إليه بابتسام.
أين ابتسامتك؟! الجواب عندي وسأقوله بشجاعة واعتزاز، سأنتزع ابتسامتي من فم الدهر، بالرغم من أنفه، ولن أدعه يولّي بها، وهي من حقي، وهي جميلة وغالية بالقلوب والثغور، سأنتزعها بعونٍ من الله القوي العزيز، ومن كان مع الله فلا يخاف بخساً ولا رهقاً، (ولا يظلم ربك أحداً).
سلمك الله وعافاك يا ذلك الفتى السائل من شرور العالم، ولا أراك ما يشيب له المرء قبل أوان مشيبه، وحفظك بكل خطوة تخطوها، ولْتعذرْني ولْتصدقني أيضا إذا قلت لك، إن قلبي مبتسم دائماً ابتساماً عريضاً، ولطالما انفرجت مسام شغافه، وما عرف بفضل الله العبوس والجمود، وثمة قلوب مدبوغة بجلود الحمير والبغال.
سبحانك يا من بيدك خزائن الرحمة والخير، وكل رزق منك أنت يا لطيف يا ودود، أحمدك حمداً عدد ما خلقت بهذا الوجود.
أضف تعليقك...