• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الأحد 2026-05-17

غياب الهوية الوطنية في المقررات الجامعية: أين المحتوى المحلي؟

عمروها

  • تسجيل اعجاب 2
  • المشاهدات 169
  • التعليقات 0
  • Twitter
غياب الهوية الوطنية في المقررات الجامعية: أين المحتوى المحلي؟
  1. icon

    بقلم / أ.د. وليد بن بليهش العمري

  2. icon

    جميع مقالات الكاتب

  3. icon

    توعوي

ليست المشكلة في أن تقرأ جامعاتنا كتبًا عربية أو عالمية جاءت من خارج السياق السعودي؛ فالمعرفة بطبيعتها عابرة للحدود، والجامعة لا تكون جامعةً حقًا إذا أغلقت نوافذها عن التجارب الإنسانية الواسعة. إلا أن المشكلة تبدأ حين يصبح الخارج هو الأصل، ويصبح المحلي مجرد إضافة هامشية، أو يغيب تمامًا عن الأمثلة، والنصوص، والتطبيقات، والمراجع، وحالات الدراسة.

فنحن لا ندعو إلى تعليم منغلق، ولا إلى مقرر جامعي يمثل مجتمعًا لا يرى إلا نفسه، ولا إلى قاعة درس تنصرف عن العالم بحجة الاعتزاز بالذات. هذا تصور ضيق للهوية، كما أنه تصور ضيق للمعرفة، غير أن الانفتاح شيء، والتلاشي أمام الآخر شيء آخر! والجامعة التي تنفتح على العالم دون أن تمنح طالبها القدرة على قراءة وطنه، إنما تمنحه معرفةً واسعة الأفق، لكنها مضعضعة الجذور.

في كثير من المقررات الجامعية تبدو العناوين العامة واعدة: مهارات الاتصال، التحرير العربي، الثقافة، الأدب، الترجمة، الإعلام، التفكير الناقد، تحليل الخطاب، الاتصال المؤسسي، غير أن السؤال الحقيقي لا يقف عند اسم المقرر، ولا عند عدد ساعاته، ولا عند الصياغات المألوفة في توصيفه، بل يتجاوز ذلك إلى مادته وروحه: هل يرى الطالب وطنه داخل هذا المقرر؟ هل يجد أمثلة من واقعه؟ هل يقرأ نصوصًا سعودية؟ هل يحلل خطابًا صادرًا عن مؤسسات وطنية؟ هل يدرس حالات تطبيقية من البيئة التي سيعمل فيها بعد تخرجه؟ أم أن المقرر يظل عامًا في عنوانه، بعيدًا في أمثلته، مستعارًا في شواهده، كأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تأتي من خارج السياق المحلي؟

إن حضور الهوية الوطنية في المقرر الجامعي لا يعني أن يتحول التعليم إلى شعارات، ولا أن تُستبدل الرصانة العلمية بالعبارات الاحتفائية، الهوية ليست لافتة تُعلَّق في صدر التوصيف، ولا جملة إنشائية تُضاف إلى أهداف البرنامج، بل هي حضور معرفي ومنهجي وتطبيقي. هي أن يكون الوطن جزءًا من مادة التفكير، لا مجرد خلفية عاطفية. وهي أن يتعلم الطالب النظريات الكبرى، ثم يختبر قدرتها على تفسير واقعه؛ وأن يقرأ التجارب العالمية، ثم يقارنها بتجربة بلاده؛ وأن يدرس المفاهيم المجردة، ثم يراها وهي تعمل في مؤسسات وطنية، ونصوص محلية، ومشروعات تنموية، وتحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية يعيشها حوله.

فالطالب الذي يدرس مهارات الاتصال، مثلًا، لا يكفي أن يتدرب على أمثلة عامة من كتب صُممت لبيئات أخرى، بل ينبغي أن يقرأ نماذج من خطاب المؤسسات السعودية، وحملات التوعية الوطنية، ورسائل الجهات الحكومية، ومنصات الخدمات العامة، ولغة التواصل في مواسم كبرى كالحج والعمرة، والطالب الذي يدرس الترجمة لا ينبغي أن يظل أسير نصوص عامة عن البيئة أو السياحة أو الاقتصاد، بل ينبغي أن يترجم نصوصًا من واقعه: الأنظمة السعودية، والمبادرات الثقافية، وخدمات ضيوف الرحمن، والسياحة الدينية، والهوية البصرية، والتراث، والبرامج الوطنية، والمشروعات الكبرى، والطالب الذي يدرس الأدب لا يصح أن يعرف خريطة الأدب العربي والعالمي ثم يخرج وهو لا يعرف خريطة الأدب السعودي، ولا تحولات الرواية والشعر والنقد في بلاده.

المحتوى المحلي ليس ترفًا أكاديميًا، ولا مطلبًا شكليًا لإرضاء لجان الجودة والاعتماد، بل هو جزء من معنى الملاءمة التعليمية. فالمعرفة التي لا تلامس بيئة الطالب تظل ناقصة الأثر، مهما بلغت من الرصانة، والمقرر الذي لا يعين الطالب على فهم مجتمعه يظل مبتور الصلة بوظيفته التنموية. والجامعة التي تقدم المعرفة في صورتها العامة دون أن تنزل بها إلى سياق الطالب قد تخرّج طالبًا يحفظ النظريات، لكنه لا يحسن تطبيقها على حالة سعودية، ولا قراءة مؤسسة وطنية، ولا تحليل خطاب محلي، ولا اقتراح حل لمشكلة واقعية في مجتمعه.

ولهذا ينبغي أن تتجاوز مراجعة المقررات السؤال التقليدي: هل للمقرر توصيف؟ هل له نواتج تعلم؟ هل له مراجع؟ إلى أسئلة أعمق: ما مقدار حضور المحتوى السعودي في هذا المقرر؟ هل تتضمن قائمة القراءات مراجع ونصوصًا محلية معتبرة؟ هل توجد دراسات حالة من البيئة الوطنية؟ هل ترتبط التكليفات بمشروعات الوطن وتحولاته؟ هل يتدرب الطالب على قراءة وثائق وخطابات وممارسات من واقعه؟ هل تحضر التجربة السعودية بوصفها مادة أصيلة للتحليل، لا بوصفها ملحقًا عابرًا في نهاية المحاضرة؟

إن الهوية الوطنية في التعليم الجامعي ليست مادة مستقلة تُضاف إلى الخطة ثم ينتهي الأمر، بل هي خيط ينبغي أن يمر في نسيج المقررات كلها، كلٌّ بحسب طبيعته. قد تظهر في نص يترجمه الطالب، أو دراسة حالة يحللها، أو مشروع ميداني ينجزه، أو مثال يناقشه، أو مرجع يقرأه، أو مقارنة يعقدها بين تجربة سعودية وتجربة عالمية. عندها لا تكون الهوية خطابًا معلنًا فحسب، بل ممارسة معرفية حيّة.

ومن هنا يمكن للأقسام العلمية واللجان الأكاديمية أن تفكر في بناء «مصفوفة للمحتوى المحلي» داخل البرامج، لا على سبيل البيروقراطية، بل على سبيل الوعي والمراجعة مصفوفة تسأل: أين تحضر النصوص السعودية؟ أين تحضر الحالات التطبيقية المحلية؟ أين تحضر المراجع الوطنية؟ أين تحضر المؤسسات والمبادرات والمشروعات السعودية؟ أين يتدرب الطالب على إنتاج معرفة مرتبطة ببيئته؟ وبهذا يصبح الحديث عن الهوية قابلًا للقياس والتحسين، لا مجرد عبارة جميلة في وثيقة جامعية.

إن أخطر ما قد يحدث في التعليم أن يتعلم الطالب عن كل شيء إلا عن المكان الذي ينتمي إليه. وأن يملك لغة تحليلية واسعة، لكنها لا تسع واقعه، وأن يحفظ أسماء ونظريات ومصطلحات، ثم لا يعرف كيف يوظفها في خدمة مجتمعه. وهذا الخلل لا يعالج بالمواعظ، بل بمراجعة بنية المقرر، واختيارات الأستاذ، والمراجع المقررة، وطبيعة التكليفات، وفلسفة البرنامج كله.

نريد جامعة سعودية الأفق، عالمية الوعي؛ جامعة تستقبل المعرفة من كل مكان، لكنها لا تفقد صوتها. تقرأ العالم، لكنها لا تنسى أرضها، تعلّم الطالب أن الانفتاح قوة، وأن الجذور قوة أيضًا، وأن الجمع بينهما هو الطريق الأقوم والأعمق.

وخلاصة القول: لا خوف على جامعة تنفتح على العالم وهي واثقة من ذاتها، وإنما الخوف على جامعة تنفتح حتى تفقد صورتها في مرآة مقرراتها، وما نحتاجه اليوم هو معرفة عالمية الأفق، سعودية الثمار؛ معرفة ترى البعيد ولا تغفل القريب، وتصنع طالبًا قادرًا على أن يحاور العالم بثقة، لأنه يعرف أولًا من يكون، ومن أين يتكلم.

أضف تعليقك...

 
  • 281550 زيارات اليوم

  • 88243065 إجمالي المشاهدات

  • 3187306 إجمالي الزوار