الأحد 2026-03-01
الآية - 35 - من سورة الرعد، اللقاء، (20)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا ۖ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)
الجنة هي دار الكرامة الأبدية، تغمرها أنوار الرضا الإلهي، وتفيض فيها نعم لا تنقطع ولا تزول، حيث تسكن الأرواح الطاهرة في ظلال الأمن والسرور، فلا تعب فيها ولا نقصان، بل حياة خالدة تليق بمن أخلصوا لله واستقاموا.
ووُصفت في الآية بوصفٍ رائع، فهي مكان نعيم أُعدّ للمتقين، يتسم بالجمال والراحة الأبدية، وفيه من الخيرات واللذات التي لا تنتهي، وتشبيهها في الآية يدل على أنها شيء يفوق التصور، فهي تجري فيها الأنهار وتحيط بها من كل جانب، مما يضفي عليها رونقًا وبهاءً، فالآيات السابقة تحدثت عن أوجه العذاب والجزاء الذي يناله الكافرون والمنافقون، وكيف أن لهم عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة.
وهذه الآية تبرز تباين الجزاء بين الكافرين والمتقين، ففيما يواجه الكافرون عذابًا، يُبشر المؤمنون المتقون بنعيم الجنة وما فيها من أنهار جارية، وأُكُلٍ دائم، مما يشير إلى جزاء الله العظيم لهم على تقواهم وإيمانهم، (أُكُلُهَا دائمٞ وَظِلُّهَا): حيث تكون الأشجار مثمرة دائماً وظلالها ممتدة بلا انقطاع، رمزاً للراحة واللذة المستمرة التي لا تزول، وتأكيداً على كمال النعيم في الآخرة.
وتأتي هذه الآية كتشجيع للمؤمنين على الثبات على إيمانهم واتباع سبيل ربّهم، حيث تُبين لهم ما ينتظرهم من نعيم في الآخرة، مما يعزز إيمانهم ويحفزهم على الاستمرار في الطاعة والعبادة، كما أنها بمثابة دعوة للتفكر في الجزاء الأسمى الذي ينتظر المتقين، في مقابل العذاب الذي سيعاني منه الكافرون، مما يجعلها تبرز الفرق بين عاقبة الفريقين، والمتقون هم الذين يخشون الله ويتبعون أوامره ويجتنبون نواهيه، ويعملون الأعمال الصالحة، وقد وعدهم الله بهذه الجنة؛ لأنهم أخلصوا له في الدنيا وراقبوا حدوده في كل أفعالهم وأقوالهم.
وفي تفسير هذه الآية وردت أقوال متنوعة من العلماء في شرحها، ومن ذلك قولهم: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ هنا في هذه الآية، وكذلك في سورة محمد آية ١٥ (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) تعني صفتها، وليس بضرب مثل لها، والمعنى: فيما يُتلى عليكم من صفة الجنة، أن ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها، والأكل؛ بضم الهمزة أي المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل؛ بفتح الهمزة المصدر.
وقيل أيضاً: إن الآية تعطي وصفًا تقريبيًا لما تحتويه الجنة من جمال ونعيم يفوق التصور، وذلك بتشبيهها بحديقة غنّاء تجري الأنهار من تحتها، وهذا الوعد مخصص للمتقين الذين أطاعوا الله واجتنبوا المحارم، ويؤكد على النعيم المقيم الذي أعده الله تعالى - لهم في الآخرة، وقيل: إن "مثل الجنة" هنا يشير إلى صفة الجنة وما فيها من النعيم، فهي ليست تشبيهًا بحديقة من حدائق الدنيا، بل هي وصف لما هي عليه من النعيم المذهل، فالأنهار رمز للرخاء وللراحة في الجنة، حيث تتدفق من تحت أشجارها وقصورها، وهذا الوصف يعرض لمحةً من النعيم العظيم الذي ينتظر المتقين في الجنة، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وجاء في الحديث القدسي: قالَ اللَّهُ تبارك وتعالى : "أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ" كما أن الأنهار الجارية مختلفة عن أنهار الدنيا، فهي نقية وزكية ومتنوعة من حيث ما تحتويه من ماء ولبن وخمر وعسل.
(مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) وأن هذا الوعد الإلهي مخصص لمن استقام على طاعة الله عز وجل - وابتعد عن معاصيه، وهو وعد خير، على خلاف الوعيد الذي ينتظر الظالمين المعرضين عن آيات ربّهم، المنتهكين لمحارمه، جعل الله تعالى- عاقبتنا وإياكم ووالدينا وذرياتنا الوعد الحسن، الجنة ونعيمها، وأجارنا من عاقبة الوعيد الشديد للكافرين، النار وبئس المصير. آمين.

أضف تعليقك...