الثلاثاء 2026-03-03
الآيات (36-37) سورة الرعد، اللقاء (21)
تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ}.
الآية تتناول استقبال أهل الكتاب وبعض من الأحزاب للقرآن. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى (المسيحيون)، الذين أنزل الله عليهم كتبًا سماوية قبل الإسلام، وهي التوراة على موسى عليه السلام والإنجيل على عيسى عليه السلام. والمقصود بـ"الأحزاب" في الآية هم الجماعات المختلفة من المشركين وغيرهم الذين عارضوا دعوة الإسلام، وكان بعضهم ينكر بعض ما جاء به القرآن من الحق الذي يخالف أهواءهم واعتقاداتهم، وتبين الآية ردّ فعلهم المتباين تجاه الوحي الجديد؛ ففي حين يفرح أهل الكتاب المؤمنون بوصول رسالة تأكيدية لما لديهم، -الذين آمنوا منهم- يفرحون بإنزال القرآن لما فيه من تصديق لما جاء في كتبهم، ولأنهم وجدوا في القرآن البشارات التي ذكرت في كتبهم، بينما الأحزاب من المشركين وغيرهم ينكرون بعضًا منه، من باب العناد والمكابرة.
{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}: وشبيه هذه الآية قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} والسؤال هنا: متى يفرح أهل الكتاب بالقرآن، ومتى يؤمنون به؟ والجواب: عندما يفهمون القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ولكي يفهموا القرآن يجب أن يتمثل به المسلمون الذين يحملون هذا القرآن، فإذا ما تمسكوا بدينهم وطبقوا آيات القرآن في حياتهم وفي أخلاقهم وفي معاملاتهم فهِم أهل الكتاب وغيرهم من المشركين القرآن، وعلموا أنه منزل من ربّ العالمين، عندها يفرحون به، ويؤمنون بما جاءت به الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، فكم سمعنا عن أناس من أهل الكتاب وغيرهم أسلموا واعتنقوا الإسلام عندما احتكوا بالقدوات الصالحة من المسلمين، وشاهدوا فيهم أخلاق القرآن، وأكبر مثال على ذلك: أن أكبر الدول الإسلامية في شرق آسيا، انتشر فيها الإسلام من خلال التجار المسلمين من جنوب الجزيرة العربية، الذين ذهبوا إليهم لأغراض تجارية، ثم عندما رأوا فيهم أخلاق القرآن، آمنوا بالله تعالى وحسُن إسلامهم. والعكس من ذلك صحيح، فكم من البشر من يعزف عن الدخول في الإسلام بسبب ما يرى من سوء أخلاق ومعاملات بعض الفئات من المسلمين، الذين يكونون سببًا في فتنة الناس وصدهم عن الدخول في دين الله {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} قيل: إن المراد بالفتنة هنا: اضطراب حال بعض المسلمين وفساده، وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم في وجوه الخير، فيكون المعنى: يا ربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة، فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا، بحجة أنه لو كان دينًا سليمًا، لظهر أثر ذلك على أتباعه، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وجهل وتأخر. {وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}: الأظهر أنهم سائر كفار العرب، الذين يعاندون الحق، فينكرون ما لا يتوافق مع أهوائهم. وقيل: هم من اليهود والنصارى؛ الذين لا ينكرون الأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه. {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ}: تُبيّن الآية رسالة النبي ﷺ وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وحده بلا شريك، مؤكدةً على التوحيد كدعوة أساسية، ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه جواب للمنكرين، والرد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون أنتم ذلك الحق. {إِلَيْهِ أَدْعُو}: الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة بقدر استطاعتهم، وذلك بإيصال رسالة الإسلام لكل الناس على قدر الاستطاعة، بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. فالواجب على كل مسلم أن يشارك في نشر الحق والفضيلة بما يستطيع، سواء بالدعوة المباشرة أو بالسلوك الحسن والأخلاق الكريمة التي تعكس تعاليم الإسلام. {وَإِلَيْهِ مَآبِ}: أي أن مرجعنا وعودتنا جميعًا إلى الله تعالى، فهو المآب النهائي الذي سيُحاسَب فيه كل إنسان على أعماله ويجزى بها. ويكون هذا الرجوع بأن يدرك الإنسان أن مصيره بيد الله، فيستعد للقاء ربه بطاعته واتباع أوامره، ويتوب إليه توبة نصوحًا عن الذنوب والمعاصي، ويستقيم على منهجه في الدنيا، ليرجع إليه يوم القيامة وهو في أحسن حال {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. ثم جاءت الآية التي تؤكد على أهمية القرآن كمنهج تشريعي ثابت، وتحث النبي ﷺ والمؤمنين على الثبات على الحق واتباع العلم الذي جاء من الله، مع الحذر من الميل إلى الأهواء البشرية المخالفة له، والتي تقود إلى الضلال.
{وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا}: ووصفه بـ"عربيًّا" فيه بيان أن القرآن نزل بلسان عربي واضح، يتلاءم مع لغة القوم الذين خوطبوا به أولًا، بفصاحته وبلاغته التي تحدت العرب. وأنه منزل بأحكام واضحة بلغتهم، هاديًا وحاكمًا وموضحًا لمعالم الحق ومفصلًا للأحكام. وأنه يهدي ويقيم الحجة على من نزل بلسانهم. ثم جاء التحذير من اتباع أهواء المخالفين أو الميل إلى ضلالهم بعد ما بُيِّن للنبي والمؤمنين الحق الواضح. في قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}: حيث تتناول الآية حقيقة القرآن، وما يجب على المؤمن من تمسك بالوحي، وترك الأهواء البشرية المخالفة له. ولتأكيد ضرورة ثبات المؤمن وعدم زيغه وانحرافه عن الحق بعد ما جاءه من العلم. {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ}: التحذير للنبي ﷺ ليس المقصود به وقوعه في الخطأ، بل هو بيان أن اتباع الأهواء بعد معرفة الحق يعرّض الإنسان لعقاب الله وللتنبيه للأمة الإسلامية كافة. والتأكيد كذلك يتعلق باتباع المنهج الذي جاء به الإسلام والتجنب عن اتباع مذاهب باطلة تؤدي إلى الخروج عن الدين. قال تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} هذا فيه دلالة على وجوب تحكيم شرع الله وترك الحكم بما يخالف الشريعة، واتباع الأهواء. وفي قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ما يؤكد على أهمية تعلم اللغة العربية لفهم معاني القرآن.
الخلاصة:
الآية تؤكد أهمية القرآن كمنهج تشريعي ثابت، وتحث النبي ﷺ والمؤمنين على الثبات على الحق واتباع العلم الذي جاء من الله، مع الحذر من الميل إلى الأهواء البشرية التي تقود إلى الضلال. وأنه لا حماية أو ولاية لأي شخص إن هو انحرف عن الحق بعد العلم. فالاعتصام بالله وحده ضروري، واتباع سبيله واجب لضمان رعايته وحفظه سبحانه وتعالى.

أضف تعليقك...