الأربعاء 2026-03-04
الآيات (38-39) سورة الرعد، اللقاء (22)
تأمّل في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}.
سورة الرعد، تتناول موضوع الرسالة، وبيان أن الرسل بشر مثل سائر الناس؛ فهم يتزوجون ويخلفون الذرية، مما يرد على شبهة المشركين الذين يستنكرون بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وتؤكد أن النبوة لا تنافي الطبيعة البشرية.
وفي هذه الآية توضيح لهذه الحقيقة، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}، ثم جاء التأكيد على أن الآيات والمعجزات التي يأتي بها الرسل ليست بأمرهم، وإنما هي بقدرة الله تعالى وإرادته وحده. {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}: فالرسالة والآيات تابعة لحكمة الله وتقديره، وليست تحت إرادة النبي أو طلبات الناس. وتشمل كذلك دعوة الناس للإيمان بأن الآيات الخارقة تأتي لدعم الرسالة بتوجيه من الله تعالى وليست استجابة لأهواء المشركين. وفيها تقوية إيمان المؤمنين بأن الله يدعم رسله، فيطمئنوا إلى أن أمر النبوة والرسالة محكوم بحكمة الله المطلقة. {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}: الأجل في اللغة هو الوقت المحدد لنهاية أمر ما، ويشير في هذه الآية إلى قضاء الله الذي كُتب في اللوح المحفوظ. فلكل شيء في هذا الكون وقت محدد وقضاء مكتوب، ولا يحدث شيء إلا بأمر الله وفي الوقت الذي قدَّره، سواءً في حياة الإنسان أو في نظام الكون كله، ولن يتقدم أو يتأخر شيء عن ذلك الأجل، والإيمان بالأجل المكتوب يدعو إلى الصبر والرضا بما قدّره الله، فالعبد يدرك أن كل شيء يحدث في موعده المقدر، وأن الفرج، والرزق، والموت، وكل أمر يسير بقدر الله. كما يتحتم على المؤمن ألا يستعجل في طلب حاجاته، فيحمله ذلك الاستعجال على طلبه بغير مرضاة الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلّا بِطاعَتِهِ)، كما تدعو الآية إلى الثقة المطلقة في حكمة الله، واليقين بأن الله يدبّر الأمر بحكمة وعلم شامل. فهذا الإيمان يدفع المسلم إلى الطمأنينة ويدعوه للاستعداد للقاء الله بالعمل الصالح، مع إدراك حقيقة أن التقدير الإلهي شامل وعادل.
{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ}: تشير الآية إلى قدرة الله تعالى المطلقة على تغيير ما يشاء من الأقدار التي يُقدّرها للعباد كالأرزاق والأعمار، وغيرها، بما يتماشى مع حكمته، كاستجابة دعاء أو صلة رحم. أما "أُمُّ الْكِتَابِ" فهو اللوح المحفوظ الذي فيه علم الله الأزلي الثابت، فلا تغيير فيه لأنه يمثل علم الله تعالى المطلق والكامل بكل شيء. {وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء والأقدار التي كتبها الله تعالى على مخلوقاته، فهو أصلها، وهي فروع له وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا ولمحوها أسبابًا، ولا تتعدى تلك الأسباب ما رسم لها في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.
فائدة:
العلاقة بين اللوح المحفوظ وتغيير مقادير العباد تقوم على أن اللوح المحفوظ يمثل علم الله الأزلي الشامل، الذي لا يطرأ عليه تغيير أو تبديل، فهو "أُمُّ الْكِتَابِ" الذي يحتوي على جميع الأحداث والوقائع التي قدّرها الله تعالى منذ الأزل، بشكل ثابت وكامل، وعلمها عند الله وحده.
أما تغيير مقادير العباد -مثل الأرزاق والأعمار- فيأتي من قدرة الله على محو وتثبيت بعض ما كتبه في صحف الملائكة أو في مقادير معينة لحياة العباد، وفق مشيئته وحكمته، كاستجابة الدعاء أو زيادة العمر بصلة الرحم.
إذًا: التغيير يحدث في نطاق علم الله المسبق، بحيث لا يناقض ما في اللوح المحفوظ، لأن الله سبحانه وتعالى يعلم كل الاحتمالات والنتائج مسبقًا، واللوح المحفوظ هو الأساس الثابت لهذا العلم الكامل.

أضف تعليقك...