• icon لوحة التحكم
  • icon

icon الجمعة 2026-03-13

الآيات 22 - 29 سورة يوسف ، اللقاء، (07)

  • تسجيل اعجاب 1
  • المشاهدات 114
  • التعليقات 0
  • Twitter
الآيات 22 - 29 سورة يوسف ، اللقاء، (07)
  1. icon

    إعداد / د. صديق بن صالح فارسي

  2. icon

    اجتماعي

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)  وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) 

هذه الآيات تتمثل في عرض جانب من المحن التي تعرض لها يوسف عليه السلام - وكيفية صبره وثباته، مما يحقق هدف السورة الأساسي وهو بيان أهمية قوة الإيمان بالله والتوكل عليه في مواجهة المحن. والقصة كلها تتدرج من المحن إلى التمكين، لتؤكد أن الله تعالى - يدبر الأمور بحكمة ويجازي المحسنين، مما يعزز مفهوم الثقة بالله وفضيلة الصبر، التي تشكل محوراً أساسياً في هذه السورة.  

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ : تعني وصل إلى مرحلة اكتمال قوته ونضجه الجسدي والعقلي، ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْمًا ﴾ : تعني أن الله تبارك وتعالى - منح يوسف عليه السلام - الحكمة والقدرة على الفهم العميق، مما يشمل التمييز بين الحق والباطل وحسن التصرف في الأمور. ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ : تعني أن امرأة العزيز حاولت إغواء يوسف عليه السلام وجذبته إلى الفاحشة، حيث كانت تُظهر له رغبتها فيه وطلبت منه أن يستجيب لها. ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ ﴾ : تعني أن امرأة العزيز أغلقت الأبواب بإحكام لتأمين المكان ومنع أي شخص من الدخول، مما يدل على تصميمها على الإغواء وتوفير الخصوصية لهما.

﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ : وقالت ليوسف عليه السلام: "تفضل أو أقبل" في إشارة إلى دعوتها له للقدوم إليها واستجابته لرغبتها في إغرائه - وقرئ بفتح الهاء وكسرها وبفتح التاء وضمها، والمعنى في ذلك كله واحد - ﴿ قَالَ مَعَاذَ الله ﴾ : أي: أعوذ بالله - وتعني أن يوسف عليه السلام استعاذ بالله من الوقوع في المعصية، مُعبرًا عن رفضه الشديد لفعل الفاحشة. وتعكس هذه العبارة إيمانه القوي وولاءه لله، حيث يعتبر المعصية أمرًا مستحيلًا تحت ظل حماية الله. ﴿ إِنَّهُ رَبِّي ۤ﴾ يحتمل أن يكون الضمير لله تعالى، أو للذي اشتراه، لأن السيد يقال له رب، فالمعنى : إنه لا ينبغي لي أن أخونه ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ : أي الذين يظلمون أنفسهم أو الآخرين بالمعاصي والذنوب، لن ينجحوا أو يحققوا ما يرجونه من خير أو فلاح. هذه العبارة تؤكد أن الظلم يؤدي إلى الخسران والفشل في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ : تعني أن امرأة العزيز رغبت بشدة في يوسف عليه السلام - وأرادت إيقاعه في الفاحشة.

وأما همُّ يوسف : فهو بمعنى أنه كانت لديه القدرة إلا أنه لم يحصل لأنه رأى برهان ربّه، (لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ ): قيل: تفكر فاستبصر، و "لولا" هنا  "حرف امتناع لوجود" بمعنى آخر "لولا" جاءت لتفيد امتناع الهمّ بسبب وجود البرهان. فهذه العبارة تعني أن يوسف عليه السلام لم يهمّ بالفاحشة لأنّه رأى "برهان ربه" وبرهان ربه - يشير إلى علامة أو دليل من الله عز وجل - أظهره ليوسف عليه السلام - مما دفعه للاستعاذة والابتعاد عن الفاحشة. كما أن "برهان ربه" قد يعني ما أنعم الله به على يوسف عليه السلام من الهداية والعلم والحكمة التي أنقذته من الوقوع في الخطأ.

وقد يكون هو الإيمان القوي الذي زرعه الله في قلب يوسف، أو المعرفة التي وهبها الله له، بحيث رأى بعين البصيرة عواقب هذا الفعل، وقد يكون المقصود أيضًا تعليمه وتربيته على الفضيلة، أو إدراكه بأن الله مطّلع عليه، مما جعله يدرك خطورة المعصية ويبتعد عنها. (كَذَٰلِكَ) :  أي كذلك ثبتناه مثل ذلك التثبيت، ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾ أي خيانة سيده والوقوع في الزنا، (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) : وكذلك يحفظ الله تعالى - عباده المخلصين، ﴿ الْمُخْلَصِينَ ﴾ قرئ بفتح اللام، أي : الذين أخلصهم الله لطاعته، وبالكسر، (الْمُخْلَصِينَ): أي : الذي أخلصوا دينهم لله.

﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ﴾ معناه: سبق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردّه، فإن قيل: كيف قال هنا الباب بالإفراد وقد قال بالجمع وغلقت الأبواب ؟ فالجواب أن المراد هنا الباب البرّاني الذي هو المخرج من الدار، ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ : أي قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت قميصه من خلفه لتردّه فتمزق القميص - والقَدّ والقَطّ كلاهما يعنيان التمزيق، لكن بينهما فرق في الطريقة والاتجاه: فالقَدّ: هو التمزيق الطولي، أي بشكلٍ طولي من الأعلى إلى الأسفل أو العكس. والقَطّ: هو التمزيق العرضي، أي بشكلٍ أفقي من جانب إلى جانب - ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي وجدا زوجها عند الباب، (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) : أرادت إلقاء التهمة عليه وإيهام زوجها بأنه هو من حاول الاعتداء عليها، فتظاهرت بأنها الضحية وطالبت بمعاقبته بالسجن أو بعقاب أليم، لعلّها بذلك تحافظ على سمعتها وتبعد الشبهة عنها. وفي الوقت نفسه كانت تعلم أنه خيار قد يرضي زوجها دون اللجوء إلى عقوبات جسدية قاسية على يوسف، مما يُظهر تلاعبها وحرصها على تحقيق هدفها بطريقة محسوبة. ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ برّأ نفسه من دعواها، ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ۤ﴾ : وكونه من أهلها أوجبُ للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ كونها كانت تدافعه فقُدّ قميصه من قُبُل، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ حيث تكون جذبته إلى نفسها حين فرّ منها فقدّت قميصه من دُبر، ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أي زوجها أو الشاهد، ﴿ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ : أي أن هذا الفعل أو التصرف ناتج عن مكركنّ وتدبيركنّ؛ يعني أنه من حيل النساء التي تُظهرن فيها أمورًا بطرق خفية لتحقيق أغراض معينة. قالها عند اكتشافه حقيقة الموقف بعد رؤية قميص يوسف ممزقًا من الخلف، مشيرًا إلى أن هذا كان من مكائد امرأة العزيز، حيث دبرت الأمر لإيقاع يوسف في الفتنة، ثم حاولت تبرئة نفسها باتهامه. ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا﴾ أي اكتمه ولا تحدث به، ويوسف منادى حذف منه حرف النداء إشارة إلى تقريبه وملاطفته، ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ خطاب لها، وذلك من كلام زوجها أو من كلام الشاهد، ﴿مِنَ الخاطئين ﴾ لم يقل "من الخاطئات" مع أن المخاطبة امرأة، بل قال "من الخاطئين" لأن السياق هنا جاء على أسلوب التغليب في اللغة العربية، حيث يُستخدم الجمع المذكر أحيانًا للتعبير عن جمعٍ مختلط أو لتغليب الذكور، حتى وإن كان المخاطب مؤنثًا، وبعض المفسرين يرون أن هذا التعبير قد يكون من باب الإشارة إلى عموم الخطأ وعدم تخصيصه بالنساء وحدهن، مما يعطي معنى أوسع، ويؤكد أن الخطأ أمر لا يقتصر على جنس دون آخر. 

من مغازي الآيات:

هذه الآيات من قصة يوسف عليه السلام تقدم عدة فوائد عملية يمكن أن يستفيد منها الإنسان، ونوردها هنا مع الدليل والاستشهادات:

١- الثبات أمام الفتن : يوسف عليه السلام واجه فتنة شديدة، ورغم ذلك رفض الاستجابة لمراودة امرأة العزيز له، قائلاً: "مَعَاذَ  الله انه ربي أحسن مثواي "، وهذا يعلمنا أهمية اللجوء إلى الله تعالى - عند التعرض لأي إغراء أو فتنة، والتمسك بالتقوى : "إِنَّ الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مبصرون" 

٢- الإخلاص يحمي الإنسان من الفحشاء : "كَذَٰلِكَ لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا الصالحين "، فالإخلاص في عبادة الله سبب في حماية الإنسان من الوقوع في المعاصي، والإخلاص يكون بالنية الصادقة، والعمل الخالص لوجه الله - الموافق لشرعه، والابتعاد عن الرياء. قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّما الأعمالُ بالنياتِ وإِنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نَوى "

٣- التثبت والتحقق قبل إصدار الأحكام: عندما وقع الأمر، لم يتسرع العزيز بالحكم، بل تحرى من خلال الشهادة على قميص يوسف، مما يعلّمنا أهمية التثبت قبل إصدار الأحكام، والتريث والتحقيق عند التعامل مع الأمور، خاصة عند النزاعات. ويؤيد ذلك قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الذين امنوا ان جاءكم فاسق بِنَبَإٖ فتبينواْ أَن تُصِيبُواْ قوما  بِجَهَٰلَةٖ فتصبحوا عَلَىٰ مَا فعلتم نَٰدِمِينَ" 

٤- كظم الغيظ والعفو وأن يملك الإنسان نفسه عند الغضب: قال عليه الصلاة والسلام: "ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ، إِنَّما الشديدُ الذي يملِكُ نفسَهُ عندَ الغَضَبِ" فمثل هذه المواقف القاسية والشديدة على النفس، تحتاج إلى حكمة وروية في التعامل معها - اتفق العلماء على قاعدة فقهية مهمة تقول: "إذا تزاحمت المفاسد، يُرتكَب أخفُّها دفعًا لأعظمها". هذه القاعدة تعني أنه إذا لم يكن بالإمكان تجنب جميع الأضرار، فيجب اختيار الضرر الأقل وتجنّب الضرر الأكبر، تحقيقًا للمصلحة العامة وتقليلاً للآثار السلبية بقدر الإمكان. وقد استدل العلماء على هذا المبدأ بعدد من الأدلة الشرعية، منها قوله تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" وهذا المبدأ مطبق في بعض أحكام الشريعة، حيث نجد أن الضرر الأدنى يُتحمل أحيانًا لدرء الضرر الأعلى، مما يحقق حكمة التيسير والتخفيف في الإسلام، ويحفظ مصالح الناس العامة.

٥- التوبة والاستغفار عند الخطأ: أمر العزيز امرأته بالاستغفار قائلاً: "واستغفري لذنبك "، مما يدل على أهمية الاعتراف بالخطأ والعودة إلى الله - عند وقوع المعصية . قال تعالى: "واستغفروا ربكمۡ ثُمَّ توبوا اليه إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٌ" 

هذه الدروس تعلمنا الثبات والتقوى، وتجنب التسرع في الأحكام، والعفو، والإخلاص، والاستغفار، وهي مبادئ عملية تعزز القيم والأخلاق.

 

أضف تعليقك...

  • 165307 زيارات اليوم

  • 65920090 إجمالي المشاهدات

  • 3136857 إجمالي الزوار