-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
قال الله تعالى:
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(30)فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)
تعلمنا هذه الآيات أهمية الثبات على الحق، والصبر على البلاء، والاعتصام بالله واللجوء إليه، خاصة عند مواجهة الفتن؛ فهو سبحانه العاصم والمجازي للمحسنين. كما تبين أن الابتلاءات قد تكون طريقًا للرفعة والقرب من الله. وتدعو الإنسان إلى التمسك بالفضيلة والصبر في الشدائد، والاعتماد على الله في مواجهة الفتن، مع التأكيد على أن الله مطّلع على أعمال عباده ويجازيهم بما يستحقون.
وتروي هذه الآيات جزءًا من قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وتبرز عدة معانٍ مهمة، منها:
- ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي في مصر.
- ﴿فَتَاهَا﴾ أي خادمها؛ والفتى يُقال بمعنى الشاب، ويُقال بمعنى الخادم.
- ﴿شَغَفَهَا﴾ أي بلغ الحب شغاف قلبها، وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب.
- ﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي بقولهن، وسُمِّي مكرًا لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه.
- ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي هيأت لهن ما يُتَّكأ عليه من الفرش ونحوها، وإعطاؤهن السكاكين يدل على أن الطعام كان مما يُقطع بالسكاكين.
- ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي أمرت يوسف أن يخرج إليهن، وإنما أطاعها لأنه كان مملوكًا لزوجها.
- ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أي عظَّمن شأنه وجماله.
- ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي انشغلن بالنظر إليه ودهشن من جماله حتى جَرَحن أيديهن وهن لا يشعرن.
- ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي تنزيهًا لله وتعجبًا من قدرته في خلق هذا الجمال الباهر.
- ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ أخرجنه من وصف البشر وجعلنه كالملائكة مبالغة في وصف الحسن.
- ﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي توبيخ لهن على لومها.
- ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي طلب العصمة وامتنع عما أرادت.
- ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي أخشى أن أميل لما يدعونني إليه من الفاحشة، وهو تضرع إلى الله تعالى.
- ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي ظهر لهم، والضمير لزوجها وأهلها أو لمن تشاوروا معه.
- ﴿رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ أي الأدلة على براءته.
الدروس المستفادة من هذه الآيات:
- إشاعة الفتن والتحدث في أعراض الناس يشيع الفساد ويزيد من تعقيد المواقف، وقد يؤدي إلى الإساءة للمجتمع، كما ورد النهي عنه في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. - الحذر من الاغترار بالجمال الظاهر الذي قد يؤدي إلى الوقوع في الفتنة، قال تعالى:
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾. - أهمية الثبات على الحق والصبر عند الابتلاء، حتى في وجه الإغراء والإغواء، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾. - الاستعانة بالله في دفع الفتن وطلب العون منه على الثبات، وتقديم رضا الله على رغبات النفس.
- التأكيد أن الله قريب يجيب دعوة من دعاه بصدق ويصرف عنه السوء، قال تعالى:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. - قد يقع الظلم على المؤمن رغم براءته، وعليه الصبر والاحتساب، فالعاقبة للمتقين.
من مغازي الآيات الكريمة:
أولاً: تُظهر لنا الآيات كيف واجه يوسف عليه السلام إغراءً شديدًا وحافظ على عفته وطهارته، مما يعكس أهمية الحصانة الأخلاقية والتمسك بالفضيلة في مواجهة المغريات.
ثانياً: يتضح كيف لجأ يوسف إلى الله واستعان به ليصرف عنه كيد النساء، مما يعلمنا أن التوكل على الله هو الحصن الأقوى في مواجهة الابتلاءات.
ثالثاً: رغم براءة يوسف عليه السلام، فقد أُلقي في السجن ظلمًا، ليكون مثالًا على أن المؤمن قد يواجه الظلم في الدنيا، ولكن الله يجازي الصابرين بالعاقبة الحسنة.
رابعاً: تبين هذه الآيات أن الثبات في مواجهة الفتن والمحن يقرب المؤمن من الله تعالى ويجعله من المحسنين، فيمنّ الله عليه بالحكمة والمعرفة
أضف تعليقك...