الثلاثاء 2026-09-08
الآيات 15 - 16 سورة الأنفال، اللقاء، (06)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
الآيتان تحثان على الصمود في القتال وتحريم الفرار غير المبرر، مع استثناء المناورات القتالية أو الانضمام للقوات الصديقة، وتبيّن أن مخالفة ذلك تؤدي إلى غضب الله عزّ وجل - وعقابه، مما يرسّخ في المسلمين مبدأ الشجاعة والانضباط في المواجهات.
﴿زَحْفاً﴾ أي متقابلي الصفوف والأشخاص، وأصل الزحف الاندفاع ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نهي عن الفرار، والفرار من كبائر الذنوب، إلا في حالات معينة - منها ما هو مذكور في هذه الآية، ومنها ما اتفق عليه جمهور العلماء كما هو موضح في نهاية هذا اللقاء.
﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم اللقاء في أي عصر كان ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ هو الكر بعد الفر ليري عدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وذلك من الخداع في الحرب ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ﴾ أي منحازاً إلى جماعة من المسلمين، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، فالتحيز إليها جائز باتفاق العلماء، واختلف في التحيز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيئاً من ذلك حاضراً في ميدان القتال، ويروى عن عمر بن الخطاب، أنه قال: "أنا فئة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك" والمقصود: هو أن الله تعالى - يأمر المؤمنين بالثبات في مواجهة العدو ويحرم الفرار من ساحة المعركة إلا في حالتين: إما أن يكون الفرار تحركًا تكتيكيًّا للقتال إلى موقع أفضل منه، أو الانضمام إلى فئة من المسلمين لتعزيز الصفوف، والفرار دون مبرر يُعدّ من الكبائر، ويستوجب غضب الله - وعذابه.
وهذا يؤكد على أن القتال يجب أن يكون في صفوف متماسكة. والنهي عن الفرار يتماشى مع متطلبات النصر في الحروب، حيث إن الانسحاب العشوائي يؤدي إلى انهيار المعنويات.
والحكمة في الاستثناء هي الحفاظ على القوة العسكرية وعدم تعريض المسلمين لخسائر غير مبررة، والثبات في القتال هو مفتاح النصر، والفرار من المعركة جريمة، حيث إن النتيجة الوخيمة للفرار غير المشروع هي غضب الله عز وجل.
من مغازي الآيات وتطبيقاتها:
في الحروب الحديثة، يُطبَّق مبدأ التحرف للقتال عبر التكتيكات العسكرية كإعادة التموضع أو الانسحاب التكتيكي لاستدراج العدو، والتحيز إلى فئة يتمثل في تعزيز القوات بالانضمام إلى مجموعات عسكرية أخرى عند الحاجة.
والآيات تؤكد على ضرورة الثبات النفسي والمعنوي في القتال، وهو مفهوم مهم حتى في الصراعات غير العسكرية مثل الحروب النفسية والسياسية.
فائدة:
اتفق جمهور العلماء على أن الفرار من المعركة يكون جائزًا في حالات أخرى غير المذكورة في الآية، ومن هذه الحالات:
١- إذا زاد العدو على الضعف بكثير: كما ورد في قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: 66): أي إذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين، جاز لهم الفرار، لأن التكاليف الشرعية لا تفرض فوق الطاقة.
٢- إذا كان المسلمون غير مستعدين أو لا يملكون السلاح الكافي: أي إذا لم تكن هناك قدرة فعلية على القتال، وكان البقاء يعني الفناء دون فائدة، جاز الانسحاب لإعادة التهيؤ والاستعداد.
٣- إذا كان البقاء يؤدي إلى الهلاك دون تحقيق نفع: كأن يكون الفرد وحده في مواجهة جيش كبير، بحيث لا يمكنه تحقيق أي تأثير قتالي، فحينها يكون الفرار حفظًا للنفس من التهلكة.
٤- الخوف من وقوع فتنة داخل صفوف المسلمين: إذا كان استمرار القتال قد يؤدي إلى انقسام المسلمين أو اقتتال داخلي، جاز الانسحاب لتفادي الفتنة.
الخلاصة:
يجوز الفرار إذا كان العدو أكثر من الضعف، أو في حال انعدام الاستعداد العسكري، أو خوف الهلاك بلا فائدة، أو لتجنب فتنة داخلية، وهذا يدل على أن الشريعة توازن بين التكليف والاستطاعة، حيث ألزمت المسلمين بالثبات في حدود القدرة البشرية، ورفعت عنهم الحرج في حال التفوق العددي الكبير للعدو.
تنويه:
١- يعتبر اجتهاد العلماء في تأويل النصوص مظهرًا من مظاهر سعة الشريعة ورحمتها، إذ لم يكن خلافهم تناقضًا، بل تنوّعًا في الفهم والاستنباط، أتاح للأمة فسحة في التطبيق، وجعل الأحكام الشرعية أقرب إلى التيسير.
٢- في اعتقادي أن هذا شرح مختصر وافي وكافي للآيات والأحكام الشرعية المتعلقة بها، مستخلص من تفاسير كبار العلماء، ومن أراد معرفة المزيد فعليه الرجوع إلى المراجع والكتب الفقهية.
أضف تعليقك...