السبت 2026-09-12
الآيات 20 - 23 سورة الأنفال، اللقاء، (08)
تأمّلات في مغْزى الآيات، بمنظور اجتماعي
-
إعداد / د. صديق بن صالح فارسي
-
اجتماعي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) ۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (23)
النداء للمؤمنين، لا للمنافقين ولا للكافرين، مما يدل أن خطر الانحراف وارد حتى لأهل الإيمان إذا سمعوا الحق ولم ينقادوا له بصدق، بل أعرضوا بقلوبهم. وليس كل من سمع الخطاب الإلهي استجاب له، فهناك من تكلّفوا الادعاء، ولكن قلوبهم لم تصغِ، فعميت البصائر، ولو كانت الأذان مفتوحة، ومن لا ينتفع بكلمة الحق، هو – في ميزان الله – أدنى من البهائم؛ لأن البهيمة لا عقل لها، أما هذا فقد أُوتي سمعًا وعقلًا، ثم عطّلهما؛ فالقضية ليست في وصول الصوت، بل في وجود "خير" في القلب يؤهله لأن ينتفع بالوحي، فإن غاب الاستعداد، أصبح السمع نفسه حجةً لا نعمة، وحتى لو وصلهم النداء، فبلا إرادة للهداية، لن يزدادوا إلا إعراضًا، فهم يسمعون لأجل الجدل، لا لأجل التغيير والاهتداء.
﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الضمير لرسول الله ﷺ والأمر للمؤمنين بالطاعة ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي تسمعون القرآن والمواعظ ﴿كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ هم الكفار سمعوا بآذانهم دون قلوبهم فسماعهم بلا سماع ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ أي كل من يدب، والمقصود أن الكفار شر الخلق.
والآية (20) تأمر بطاعة الله تعالى - ورسوله عليه الصلاة والسلام - بلا تردد، وتحذر من التهاون أو الانصراف عن الحق، أو النفاق في الطاعة؛ فليس كل من يسمع ينتفع، بل الانتفاع الحقيقي يكون بالعمل والاستجابة لأوامر الله.
والطاعة المقصودة طاعة أوامر الله ونواهيه بلا تردد.
والخطاب موجه للمؤمنين بهدف التحذير من النفاق في الطاعة، ومفهوم السمع في الآية لا يعني مجرد الاستماع، بل التقبل والعمل به، والنهي عن التولي بعد السماع، أي لا يكونوا كالذين يسمعون الحق ظاهريًّا ولكنهم لا يطبقونه لأن قلوبهم مغلقة عن الحق، والمقصود بهم المنافقون أو المشركون؛ فالسمع الحقيقي هو الاستجابة والعمل، وليس مجرد الإدراك السطحي، وفيها بيان الفرق بين المؤمن الصادق والمنافق إذ إن المؤمن يسمع ويستجيب، بينما المنافق يسمع ولكن قلبه غافل.
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ): المقصود بهذه الآية المنافقون أو المشركون الذين يدّعون السماع لكنهم لا يطيعون، ويحتمل أن يكون المقصود بها اليهود والمنافقون الذين عرفوا الحق لكنهم أعرضوا عنه، والآية تحذر من الاكتفاء بالمظاهر دون الإيمان الصادق والعمل.
ثم جاءت الآية (22) لتصف المنافقين والكفار الذين لا ينتفعون بحواسهم بأنهم أسوأ من الدواب، لأنهم يعطلون عقولهم عن إدراك الحق رغم امتلاكهم وسائل الهداية، والدواب هنا يقصد بها المخلوقات التي تدب على الأرض، ولكن هؤلاء شرّها، ووصفهم بالصمم والبكم ليس حقيقيًّا، وإنما مجازًا لعدم انتفاعهم بالحواس في إدراك الحق، فهؤلاء هم شرّ المخلوقات لأنهم لا يسمعون سماع قبول، ولا ينطقون بالحق، ولا يستخدمون عقولهم، وشبههم بالدواب لأنهم يعيشون بلا هدف ولا وعي، فلا يستخدمون عقولهم؛ فالدواب على الأقل تستجيب لغرائزها، أما هؤلاء فلا يستفيدون من نعمة العقل.
والآية (23) تذم الذين يعطلون عقولهم عن فهم الدين رغم قدرتهم على التعلم. والآية تؤكد أن الهداية تحتاج إلى استعداد داخلي، فمن لا خير في قلبه، لن ينتفع بسماع الحق، ولو أسمعه الله لبقي معرضًا.
كما تبين أن الله لا يمنح الهداية إلا لمن يستحقها، فهؤلاء لا خير فيهم، إذ لو أسمعهم الله - سماعًا حقيقيًّا للحق لما استجابوا، بل أعرضوا عنه وعاندوا، وشبيه هذا قوله: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، والمعنى: لو كان في هؤلاء القوم رغبة في الخير لهداهم الله، لكنه علم أنهم مصرّون على الكفر والضلال.
والآية تدل على أن الهداية محض فضل من الله، وليست مجرد سماع ظاهري. وقوله: "لأسمعهم" أي لجعلهم يفهمون ويعون الحق، ولكنهم منغلقون على الضلال، وهذا تأكيد على أن الإيمان ليس مجرد سماع الأذن، بل هو استعداد داخلي لقبول الحق، وهؤلاء لا يملكون القابلية للهداية، لأن قلوبهم مغلقة ومليئة بالإعراض والعناد.
من مغازي الآيات وتطبيقاتها:
1- بيان ضرورة الالتزام التام بطاعة الله ورسوله ﷺ في القول والفعل، وعدم الاكتفاء بسماع القرآن أو العلم الشرعي، بل يجب تطبيقه عمليًّا.
والحذر من التهاون في الدين، فلا يكون المسلم ممن يسمع النصيحة ثم يتجاهلها. كما ينبغي التدبر في آيات الله - والعمل بها، فليست العبرة بكثرة السماع، بل بمدى التأثر والاستجابة.
2- الحرص على أن يكون سمعنا للقرآن والعلم سمعًا نافعًا يؤدي إلى عمل. وعدم الاكتفاء بإظهار الالتزام الظاهري بالدين دون تطبيق حقيقي، ومجاهدة النفس على عدم التهاون في تنفيذ أوامر الله بعد العلم بها. مع التأمل في آيات الله - بعقل وقلب مفتوح، وليس مجرد سماع بلا تدبر.
3- الاستفادة من نعم السمع والبصر والعقل في طلب الهداية، والتحذير من العناد والجمود على الباطل رغم وضوح الأدلة. مع ضرورة الاستجابة لأوامر الله - وعدم التشبه بمن لا يعقلون.
4- طلب الهداية بصدق، لأن القبول القلبي شرط أساسي للهداية، والحذر من الإعراض عن الحق، لأن الله لا يهدي إلا من كان مستعدًّا للقبول.
كما أن الإيمان ليس مجرد سماع، بل استجابة وعمل. مع ضرورة إخلاص النية في طلب الحق، وعدم العناد بعد ظهور الأدلة، (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (الشورى 13).
أضف تعليقك...