-
بقلم / علي محمد قاسم
-
جميع مقالات الكاتب
-
اجتماعي
هذه قضية خطيرة جداً، قضية التواصي بالحق والصبر، التي نص الله تعالى عليها في سورة العصر، السؤال المهم هنا، هل نحن نعمل بهذه الوصية؟ فيوصي بعضنا بعضاً بالحق والصبر، لكي نلتزم حدودهما ونقف على أبوابهما.
السورة تقول:(وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، وليس أوصَوْا، من الفعل أوصى، بل من الفعل تواصى، أي من المفاعلة التي تفيد المشاركة والتفاعل، بين أكثر من فاعل، ما يعني أنهم فاعلين بالوصية، مع بعضهم بعضاً آخذين بها جميعاً.
سأُرجع الموضوع إليك وأسألك، هل تذكر يوماً أن أحداً أوصاك بالحق والصبر؟ فقال لك مثلاً: عليك بالحق، عليك بالصبر، اصبرْ، وكل الناس في حاجة إلى الوصية بمعنى النصيحة.
أما أنا فأحاول أن أستذكر وأقلب صفحات ذاكرتي، وأفتش بأدراجها، فلا أعثر على شيء من ذلك ولا أجده، ولكن أجد السلبية، بما فيها من سكوت يشبه سكوت القبور، وبما تُريه من وجوه ضربها السهوم والوجوم.
إن حوادث الدنيا كثيرة ومتقلبة بالإنسان، ومليئة له بالابتلاءات والأزمات والكروب، وما تحمله له من متاعب ومصاعب، تؤلمه وتحزنه وتلقيه في المكاره والشدائد، فمن هنا فهو بحاجة إلى وصية خير، تهديه وتشد من أزره، وتخفف عن نفسه الضغوط والمخاوف والقلق، وفي ذلك رحمة أيُّ رحمة لنفسه.
ولكن وا أسفاه، قد لا تسمع أذنه وصية له بالخير، يحسن بها أخوه المسلم، فتكون له سلوة ونجاة، وتكون لأخيه صدقة طيبة، يؤجر عليها ويثاب، وما عملُه الذي قام به إلا كلمة لا تكلفه جهداً ولا مالاً، أستغفر الله، بل ربما تسمع أذنه ما يسوءه ويؤذيه ويزيده رهقاً على رهق، وما يحرضه على المنكر.
إنها السلبية التي تسقط سلوك الناس، وتحيلهم عن إنسانيتهم الكريمة، وصورتهم الحسنة التي ينبغي أن يكونوا عليها، وتمسخهم إلى قردة هازلة، والسلبية في معناها من مترادفات التخاذل والتدابر، التي نهى عنها رسول الله، عليه الصلاة والسلام.
التواصي بالحق والصبر، من المعاني الإيمانية الضائعة في الخطاب الديني، عند من يتكلم فيه، وهذه هي المشكلة التي يجب أن نضع يدنا عليها لكي نحلها، الخطاب الديني الذي أصبح أكثره مع الأسف الشديد، يفتقر إلى الموضوعية، وأساس مبدأ الموضوعية أن يكون الموضوع الذي يُخاطب الناس به، مما يحتاجونه وينفعهم ويعالج مشكلاتهم الاجتماعية، ويصلح علاقاتهم ومعاملاتهم، لا أن يشغلهم بتوافه الأمور، أو بالحديث المعاد الذي تسأمه القلوب.
من تلك المعاني الضائعة والتي جاءت في أحاديث رسول الله الطيبة والمباركة، أن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأن مثَل المسلمين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثَلِ الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
إن الدين اليوم يكاد يحصر في أداء العبادات، أما معاني الإسلام، فهي منسية أو مهملة، لا تسمع لها حديثاً، مع أنها جوهر الإسلام، ومن هنا حلّ بالناس البلاء والشقاء.

أضف تعليقك...