-
بقلم / علي محمد قاسم
-
جميع مقالات الكاتب
-
قصصي
كثرت أحاديث الناس في الكوفة، وطافت بلاد العراق، وعمت ما حولها من ديار الإسلام، عن رجلٍ حاذق فطِن، أُوتي حكمة وذكاء، يعزز ذلك أخلاق كريمة، ارتفعت بها نفسه، وارتقت في مدارج الكمال، حتى غدا له ذكر حسن، ومنزلة رفيعة، ذلك الرجل هو القاضي شريح بن الحارث الكندي، الذي تولّى قضاء الكوفة بأمر من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فصار من يومئذٍ علَمًا من أعلام القضاء في تاريخ الإسلام.
كان لتولية عمر بن الخطاب إياه القضاء، موقف جذب إعجاب أمير المؤمنين به، ولفت تقديره، مفاد ذلك الموقف، أنه قَدِم المدينة المنورة ذات يوم، رجلٌ معه فرس يريد بيعه، وكان عمر بن الخطاب إذ ذاك يبتغي شراء فرس، فعثر في السوق على هذا الرجل، ونظر في فرسه ثم اتفق معه على البيع، فابتاع عمر الفرس، ونقد صاحبه الثمن، وتفرق البيّعان، ومضيا في سبيلهما، ولكن الفرس ما لبث عند عمر إلا قليلًا حتى بدا عَوارُه ونقصه، فما كان من عمر إلا أن عاد إلى الرجل وأراد رد الفرس عليه، واسترداد ثمنه، فقال للرجل: خذ فرسك فإنه معطوب.
فقال الرجل: كيف آخذه يا أمير المؤمنين، وأنت تشهد أني بعته لك سليمًا، غير معيب. صدّق عمر قوله، وقال: نعم، ولكن اجعل بيني وبينك حَكَما.
قال: يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي.
رضي عمر به حكمًا، ثم أتياه، وفي بيته يُؤتى الحَكَم.
احتكما إليه، ووقف شريح على فحوى القضية، ثم توجه بالسؤال إلى عمر: هل أخذت الفرس سليمًا، يا أمير المؤمنين؟
أجاب: نعم.
فحَكَم شريح، وقال ببلاغة وإيجاز: إذن، احتفظ بما اشتريت، يا أمير المؤمنين، أو رد كما أخذت.
هنالك ظهر إعجاب عمر بشريح، واستحسانه لقضائه وقوله، الذي يدل على رجاحة عقله، ونفاذ بصيرته، فقال: وهل القضاء إلا هكذا، قول فصل، وحكم عدل، سِرْ إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها.
منذ ذلك اليوم، طلع نجم يأتلق نورًا، كالبدر يجلو ظلام الليالي، استضاء به القضاء، فأحس الناس بروح الحق يحيا معهم، ينشر فيهم العدل والرحمة، ويبث شعور الأمان والاطمئنان في نفوسهم، وما دام للحق حرمةٌ ترعى وتصان، في مجتمع الناس، بحيث لا يضيع حق إنسان، ولا تنتهك كرامته بعدوان، فستعلو حتمًا ألوية السعادة، تظلل الناس، وتكتنفهم فلا يفسد الظلم عليهم حياتهم، ولا يبغي بعضهم على بعض مستبيحًا حقوق غيره، بل سيستروحون نسيم الرضا، يرفُّ عليهم من السماء بالبركات والرحمات.
في خلافة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، حدثت هذه القضية وكان قاضيها شريحًا.
بينما كان علي يسير في الطريق، رأى في يد رجل يهودي دِرْعه التي سقطت عن جمله، وعرفها علي جيدًا، فقال لليهودي: هذه درعي، يا رجل.
قال اليهودي: كلا، بل هي درعي، وفي يدي، يا أمير المؤمنين، وإن شئت بيني وبينك قاضي المسلمين.
بين يدي القاضي شريح وقف أمير المؤمنين، ووقف خصمه اليهودي، وسمع شريح من الخصمين أقوالهما، ثم إنه سأل عليًّا: هل لديك بينة يا أمير المؤمنين؟
- ليس عندي بينة.
- إذن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما ادعيت.
- نعم، مولاي قنبر، وولدي الحسن يشهدان لي.
- أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها، فإن شهادة الابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين.
- سبحان الله!! رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته، أما سمعت قول رسول الله، عليه الصلاة والسلام: (الحسن والحسين سيدا شباب الجنة).
- بلى، يا أمير المؤمنين، ولكني لا أجيز شهادة الولد لوالده.
- ليس عندي شاهد غيرهما.
- إذن فإني أقضي بهذه الدرع لهذا الرجل.
عندئذٍ أخذت الدهشة من نفس اليهودي، وانشرح صدره واهتزت مشاعر قلبه بما سمع ورأى، فقال والإعجاب ملء نفسه: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين، فقضى لي، ورضي قضاءه، صدقت والله، يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، سقطت عن جملك فالتقطتها، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فما كان من علي إلا وهب الدرع له، وزاد أيضًا في عطائه.
استمرت سيرة القاضي شريح طيبة مباركة، بتوفيق من الله وعونه، سنينَ عددًا، يجتهد ويسدد ويقارب، حتى يصيبَ وجه الحق، وكان في ذلك يخشى أمرًا واحدًا هو شهادة الشهود، الذين قد يزين لهم الشيطان، وتدفعهم الشهوات فيشهدون شهادة الزور، وبها الهلاك المبين، لو يعلمون، لذلك كان من قوله لهم: (إنما يقضي على -هذا الرجل- أنتم، وإني لأتقي النار بكم، وأنتم باتقائها أولى، وإن في وسعكم الآن أن تدعوا الشهادة وتمضوا).
كان من درر أقواله الثمينة الغالية، رحمه الله: (غدًا سيعلم الظالم من الخاسر، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النَّصَفة).

أضف تعليقك...